أفول هوليود: كيف أعادت التكنولوجيا ومنصات البث رسم خريطة السينما العالمية

لم تعد هوليود القبلة الوحيدة لصناعة السينما في العالم، فقد بدأت أضواؤها التي لطالما ألهمت أحلام الملايين تخفت تدريجيًا، فيما أعادت التحولات التكنولوجية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية تشكيل ذائقة الأجيال الجديدة.
عرفت هوليود على مدار مئة عام بأنها مصنع الأساطير وأرض الأحلام والكوابيس، فقد صنعت رموز العالم وأبطاله، وساهمت أفلامها في نشر النموذج الغربي عبر شخصياتها وأحداثها، لكنها اليوم تواجه لحظة أفول غير مسبوقة.
انخفاض الإنتاج وانتقال المشاريع إلى الخارج
تشير إحصاءات مؤسسة ProdPro إلى أن إنتاج الأفلام والبرامج التلفزيونية في الولايات المتحدة شهد تراجعًا حادًا بعد إضرابات الكتاب والممثلين عام 2023، حيث تأثرت لوس أنجلوس بأضعف أعوامها الإنتاجية منذ أكثر من عقد.
ونقل العديد من الاستوديوهات الكبرى إنتاجاتها الضخمة إلى كندا، المملكة المتحدة، وأوروبا الشرقية لأسباب اقتصادية بحتة، مثل فيلم “ديدبول وولفرين” 2024 الذي تم تصويره في المملكة المتحدة وكندا، إضافة إلى اعتماد شركة وارنر بروذرز على استوديوهات “ليفسدن” خارج لندن.
وتقدم هذه الدول حوافز ضريبية تتجاوز ما توفره كاليفورنيا، ما جعل المنطق المالي يهيمن على قرارات الإنتاج، بحسب تقرير أولسبرغ إس بي آي لعام 2024.
منصات البث الرقمية: كسر مركزية هوليود
أدت منصات البث الرقمي إلى تحولات هيكلية في الصناعة، حيث لم تعد الإيرادات من شباك التذاكر المعيار الرئيسي لنجاح العمل الفني، بل أصبحت ساعات المشاهدة والتفاعل الرقمي المؤشر الأساسي، كما تبين من نجاح مسلسلات مثل “لعبة الحبار” (Squid Game) و**”البروفيسور” (Money Heist)** عالميًا دون الاعتماد على استوديوهات هوليود.
وأوضح تيد ساراندوس، الرئيس التنفيذي المشارك لمنصة نتفليكس، أن المشاهدة المنزلية المدعومة بالخوارزميات أصبحت القاعدة، فيما تقلصت أعداد مرتادي دور العرض بشكل كبير، ما جعل الأفلام تعرض في وقت واحد على المنصات الرقمية والسينما، وهو ما كان ممنوعًا سابقًا.
انخفاض نفوذ النجوم وتوسع الإنتاج الدولي
أفلام مثل “أرغيل” 2024 لم تحقق العائد المتوقع رغم مشاركة نجوم الصف الأول، بينما حققت أعمال بممثلين جدد مثل “العميل الليلي” 2023 أرقامًا قياسية على المنصات الرقمية.
كما أن الخوارزميات صارت تحدد مدى وصول المشاهدين للأعمال، فيما تركز استراتيجيات الترويج على النوع والقصة أكثر من الأسماء الفردية، مما يضعف النفوذ التاريخي لنجوم السينما في التفاوض والتحكم الإبداعي.
كسر حاجز اللغة: السينما العالمية لم تعد بحاجة لهوليود
يشير المخرج الكوري الجنوبي بونغ جون-هو، الفائز بأوسكار عن فيلم “الطفيلي”، إلى أن تجاوز حاجز الترجمة يفتح أمام العالم أفلاماً مذهلة، مؤكداً أن السينما غير الناطقة بالإنجليزية لم تعد بحاجة إلى المرور عبر استوديوهات هوليود لتصبح عالمية التأثير.
ويعكس هذا التحول صعود نموذج عالمي مفتوح للإنتاج والتوزيع، حيث لم يعد الموقع الجغرافي أو اللغة أو النجومية الفردية شرطًا لنجاح العمل الفني على المستوى الدولي، ليصبح المحتوى العالمي قادرًا على السيطرة على المشاهدة العالمية دون الاعتماد على لوس أنجلوس.





