أنثروبيك تكشف إساءة استخدام “كلود” في مراقبة مالي وحملات تأثير بأفريقيا

كشفت شركة “أنثروبيك” الأميركية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي عن حالات متعددة أُسيء فيها استخدام نموذجها “كلود” في أنشطة شملت بناء نظام للمراقبة الجماعية في مالي، وإنتاج محتوى سياسي مضلل في عدد من الدول الأفريقية، إلى جانب حملة مرتبطة بالحرب في السودان.
وجاءت هذه الحالات في التقرير الدوري الذي نشرته الشركة حول جهود رصد إساءة استخدام نماذجها والتصدي لها، وشملت أنشطة قالت إنها رصدتها وأوقفتها بين ديسمبر/كانون الأول 2025 وأغسطس/آب 2026.
وأكدت “أنثروبيك” أن بعض هذه العمليات امتلكت قدرات متقدمة على إنتاج المحتوى وتوسيعه، لكن تأثير عدد منها ظل محدودا، ولم تجد الشركة أدلة تثبت وصول بعض الحملات إلى جمهور حقيقي أو نجاحها في التأثير فيه.
مراقبة جماعية في مالي
ذكر التقرير أن مشتركا واحدا، رجحت “أنثروبيك” أنه مستشار مستقل في باماكو يعمل لصالح وكالة الأمن الوطني في مالي، استخدم نموذج “كلود” للمساعدة في تطوير منصة مراقبة تحمل اسم “لاكانا 360”.
وصُممت المنصة لمتابعة بيانات نحو 25 مليون شريحة هاتف لدى شركات الاتصالات الثلاث العاملة في البلاد، مع توفير أدوات لتحليل كميات واسعة من البيانات وإنشاء ملفات استخبارية مرتبطة بأرقام محددة.
وبحسب التقرير، صُمم النظام لتجاوز شرط الحصول على إذن قضائي للوصول إلى بعض بيانات المراقبة، كما تضمن إمكانات للتعرف على الأصوات المرتبطة بالشرائح، ورصد مستخدمي خدمات التشفير والشبكات الافتراضية الخاصة، وإنشاء قوائم مراقبة جغرافية وربط المعلومات ببيانات السجل المدني البيومتري.
وأوضحت الشركة أن المنصة كانت تعمل محليا بالاعتماد على نماذج محلية، ولذلك فإن إيقاف حساب “كلود” المستخدم في تطويرها عطّل عمليات التصميم والبناء، لكنه لم يؤد إلى تعطيل المنتج بعد نشره وتشغيله محليا.
أفريقيا الوسطى.. محتوى مؤيد لروسيا والحكومة
وفي جمهورية أفريقيا الوسطى، وثقت “أنثروبيك” عملية تولى إدارتها شخص ناطق بالروسية، واستخدم النموذج لإنتاج محتوى يومي لصالح إذاعة “لينغو سونغو”.
وقال التقرير إن المشغل كان يوجه النموذج إلى إنتاج مواد تتضمن مواقف مؤيدة للحكومة في بانغي ولروسيا، ومعادية لفرنسا وللمعارضة، كما كان يطلب تعديل النصوص وإزالة السمات التي قد تكشف أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي.
ولم يقتصر استخدام النموذج على إنتاج المحتوى الإعلامي، بل شمل أيضا إدارة العاملين، وإعداد عقود العمل والوصف الوظيفي، وتقييم المقالات، ومتابعة شخصيات معارضة، وإعداد نقاط حديث لمسؤولين، فضلا عن إنتاج وثائق حكومية مزيفة.
وأشارت “أنثروبيك” إلى أن العملية بلغت المستوى الرابع على مقياس انتشار عمليات التأثير، نظرا إلى نشر المحتوى بصورة يومية والعمل على توسيع نطاقه عبر قنوات ومنصات محلية.
الكونغو الديمقراطية.. شبكة من المواقع الوهمية
وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، رصد التقرير شبكة تجارية واسعة ضمت نحو 70 موقعا إخباريا وهميا وحسابات على منصة “إكس”، واستخدمت “كلود” لإنتاج مواد جديدة وإعادة صياغة أخبار حقيقية مع إدخال توجهات سياسية مختلفة عليها.
وكانت هذه المواد تنشر بأسماء صحفيين غير حقيقيين، في محاولة لإضفاء طابع مهني ومستقل عليها.
وقالت “أنثروبيك” إن الشبكة أنتجت 318 مقالا ركزت على قضايا تتعلق بالكونغو الديمقراطية، ودعمت في معظمها مواقف الحكومة في ملفات من بينها قطاع المعادن والتوترات مع رواندا.
ومع ذلك، لم تجد الشركة أدلة تثبت وجود توجيه مباشر من الحكومة الكونغولية لهذه العملية.
ومن أبرز مؤشرات التنسيق التي رصدها التقرير أن مواقع تابعة للشبكة نشرت في 11 سبتمبر/أيلول 2025 مقالات متقاربة إلى حد كبير بشأن النزاع بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، بفارق زمني لم يتجاوز 3 دقائق.
وصنفت “أنثروبيك” هذه العملية في المستوى الثاني من مقياس الانتشار، لأن النشاط ظل محصورا إلى حد كبير داخل المواقع والحسابات المرتبطة بالشبكة.
كينيا.. 50 منشورا سياسيا في كل دفعة
وفي كينيا، رصدت الشركة حسابا استخدم “كلود” لإنتاج دفعات تضم 50 منشورا سياسيا في وقت واحد، صيغت بطريقة توحي بأنها آراء شعبية عفوية.
وتضمنت المنشورات رسائل تشيد بوزير الطاقة والبترول أوبيو واندايي، وأخرى تدفع باتجاه تفكك ائتلاف المعارضة المتحدة قبل الانتخابات المقررة عام 2027.
كما استهدفت الحملة عددا من الشخصيات السياسية، من بينهم نائب الرئيس السابق ريغاتي غاتشاغوا والرئيس السابق أوهورو كينياتا.
ولم تجد “أنثروبيك” أدلة على تورط الحكومة الكينية في العملية، ورجحت أن يكون النشاط محليا، مع احتمال انسجام لهجته السياسية مع توجهات الائتلاف الحاكم.
لكن تأثير الحملة ظل محدودا، إذ بقيت المنشورات محصورة في حسابات مزيفة، ولم يثبت وصولها إلى مستخدمين حقيقيين أو قدرتها على التأثير فيهم، ولذلك صنفتها الشركة في المستوى الأول من مقياس الانتشار.
وتوضح هذه الحالة، بحسب التقرير، أن الدور الأساسي للذكاء الاصطناعي تمثل في زيادة حجم المحتوى وتسريع إنتاجه وإضفاء مظهر أكثر طبيعية عليه، بينما كانت الموضوعات والرسائل السياسية محددة مسبقا من جانب القائمين على الحملة.
السودان.. محتوى مزيف يصل إلى أروقة الأمم المتحدة
وفي عملية أخرى مرتبطة بالحرب في السودان، قالت “أنثروبيك” إنها ربطت بدرجة ثقة عالية الجهة التي تقف وراء النشاط بمسؤولين في دولة عربية.
وبحسب التقرير، أدارت هذه الجهة شبكة تضم نحو 300 حساب مؤثر مزيف، كما انتحلت هوية منظمة حقوقية سودانية حقيقية.
واستخدمت الشبكة “كلود” لإعداد شهادات موجهة إلى الأمم المتحدة باسم شخصين، في محاولة لإخفاء ارتباط الجهة بأحد أطراف النزاع وتقديم الشهادات على أنها صادرة عن مصادر مستقلة.
ولم تتمكن الشركة من التحقق من وصول هذه الشهادات أو ملفات الاستهداف إلى الجهات التي كانت موجهة إليها.
وتعكس الحالات التي وثقتها “أنثروبيك” اتساع نطاق استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات المراقبة والتأثير السياسي، سواء من خلال تحليل البيانات وإنشاء أنظمة رقابية، أو إنتاج كميات كبيرة من المحتوى السياسي، أو تقليد الخطاب البشري وتقديم مواد مضللة على أنها صادرة عن أفراد أو مؤسسات حقيقية.





