اقتصاد

الاستثمارات السعودية في سوريا بعد سقوط الأسد.. انتقال من الدعم السياسي إلى الانخراط الاقتصادي المباشر

يشير تطور الاستثمارات السعودية في سوريا، منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، إلى تحول نوعي من مقاربة سياسية–دبلوماسية إلى انخراط اقتصادي مباشر يستهدف قطاعات البنية التحتية الثقيلة والخدمات السيادية.

ومع مطلع عام 2026، انتقلت هذه الاستثمارات من مستوى مذكرات التفاهم العامة إلى مشاريع تشغيلية جاهزة للتنفيذ، تتصدرها قطاعات الطيران والمطارات والاتصالات والمياه، ضمن حزمة استثمارية بمليارات الدولارات.

الطيران والمطارات.. بوابة الاستثمار

أحدث مظاهر الانخراط السعودي تمثّل في قطاع الطيران المدني، إذ أعلن وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، خلال فعالية اقتصادية رسمية في دمشق في 7 فبراير/شباط 2026، عن تأسيس شركة طيران اقتصادية جديدة مقرها في حلب تحت اسم “ناس سوريا”، ضمن اتفاقيات استثمارية وُقّعت بين الجانبين.

وجرى الإعلان برعاية الرئيس السوري أحمد الشرع، في خطوة تعكس انتقال الاستثمار السعودي من الإطار التنظيمي إلى التشغيل المباشر.

ورغم عدم الكشف عن رأس المال المخصص للشركة، فإن إدراج المشروع ضمن حزمة وُصفت بأنها “استثمارات بمليارات الدولارات” يضعه ضمن نطاق استثماري متوسط إلى كبير.

وبالتوازي، برز مشروع تطوير مطارين في مدينة حلب كأكبر رقم مالي معلن حديثًا، باستثمار يقدَّر بنحو 7.5 مليارات ريال سعودي (قرابة ملياري دولار)، يُنفذ على مراحل تشمل التوسعة والتحديث والبنية التشغيلية. ويعكس ذلك أولوية قطاع النقل الجوي بوصفه رافعة للتجارة والسياحة وسلاسل الإمداد.

الاتصالات والربط الرقمي

الركيزة الثانية تمثلت في الاتصالات وتقنية المعلومات، باعتبارها قطاعًا منخفض المخاطر السياسية ومرتفع العائد طويل الأجل.

وفي هذا السياق، فازت شركة إس تي سي بمشروع “سيلك لينك” للربط الرقمي من بين 18 شركة متقدمة، وفق ما نقلته وزارة الاتصالات السورية. ويهدف المشروع إلى تحويل سوريا إلى ممر إقليمي لعبور البيانات بين آسيا وأوروبا.

ويُعد المشروع امتدادًا لحزمة اتفاقيات وُقّعت خلال منتدى الاستثمار السوري–السعودي في يوليو/تموز 2025، خُصص فيها نحو 4 مليارات ريال سعودي (1.07 مليار دولار) لقطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، شملت تطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز الأمن السيبراني.

ويعكس هذا المسار رهانا سعوديا على موقع سوريا الجغرافي كبوابة بيانات إقليمية بعد إعادة تأهيل شبكاتها العابرة للحدود.

البنية التحتية والمياه

تبقى البنية التحتية التقليدية القاعدة الأوسع للاستثمارات السعودية. ففي منتدى يوليو/تموز 2025، أُعلن عن توقيع 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة إجمالية تقارب 24 مليار ريال (نحو 6.4 مليارات دولار).

وخُصص أكثر من 11 مليار ريال (حوالي 2.9 مليارات دولار) للبنية التحتية الثقيلة، شملت إنشاء ثلاثة مصانع جديدة للإسمنت ومشاريع مرتبطة بمواد البناء، ما يربط الاستثمار السعودي مباشرة بمرحلة إعادة الإعمار.

كما تضمنت الحزمة اتفاقيات في قطاع المياه برعاية شركات سعودية كبرى، في مقدمتها أكوا باور، تستهدف تحلية المياه ونقلها. ورغم عدم الإعلان عن أرقام تفصيلية، فإن إدراجها ضمن محفظة البنية التحتية يشير إلى استثمارات رأسمالية طويلة الأجل ذات تأثير مباشر على الأمن المائي والاستقرار الاقتصادي.

بين الأرقام والدلالات

بصورة إجمالية، تتجاوز الالتزامات السعودية المعلنة تجاه سوريا حتى الآن 6 مليارات دولار، مع مسار تصاعدي يركز على الطيران والمطارات والاتصالات والبنية التحتية الثقيلة.

ويعكس هذا التحول انتقال الرياض من دعم سياسي بعد التغيير في دمشق إلى توظيف رأس المال في قطاعات سيادية تُستخدم عادة كمؤشرات ثقة في الاقتصادات الخارجة من الصراع، وكمنصات لجذب استثمارات إقليمية ودولية لاحقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى