البدائية الرقمية.. تمرد جيل زد على سطوة الهواتف الذكية

لو وصلت إلى نيويورك اليوم، قد لا تستغرب أن ترى شابًا من الجيل “زد” في مقهى مزدحم يخرج من جيبه هاتفًا صغيرًا بأزرار بلاستيكية وشاشة أحادية اللون، فيما يلتقط صديقه صورة بكاميرا فيلمية قديمة لن تظهر نتائجها إلا بعد أيام. قد يبدو المشهد وكأنه عائد من تسعينيات القرن الماضي، لكنه في الواقع عنوان لتيار متصاعد في عام 2026 يُعرف بـ“البدائية الرقمية”.
هذه الظاهرة يقودها ما يُعرف بـ“أبناء التكنولوجيا” (Digital Natives)، أي الجيل الذي وُلد في عالم مشبع بالإنترنت والشاشات اللمسية ومنصات التواصل. المفارقة أن من لم يعرفوا الحياة قبل الهواتف الذكية هم أنفسهم من يقررون اليوم التخلي عنها، في خطوة تبدو أقرب إلى “ثورة على الأصل” لا مجرد حنين إلى الماضي.
الهروب من الخوارزميات
لا يتعلق الأمر برومانسية الماضي بقدر ما هو رد فعل دفاعي تجاه واقع رقمي خانق. لقد أدرك كثير من الشباب أن الخوارزميات المصممة لإبقاء المستخدم في حالة “تمرير لانهائي” استنزفت قدرتهم على التركيز، وحولت الهاتف من أداة إلى فخ يسرق الوقت والانتباه.
العودة إلى “الهواتف الغبية” أو التقليدية تعني استعادة السيادة على الانتباه؛ فالهاتف يصبح وسيلة لإجراء مكالمة أو إرسال رسالة، لا بوابة لاقتصاد قائم على استغلال الانتباه.
كما يتنامى شعور بالرفض تجاه “ديكتاتورية المثالية” التي تفرضها الصور المعدلة والفلاتر، حيث تتحول الحياة إلى عرض دائم للمقارنة. الهروب هنا بحث عن صور غير مثالية، عن “خطأ جميل” يعيد للواقع إنسانيته، وعن موقف أخلاقي يرفض تحويل البيانات الشخصية إلى سلعة.
“الماضي” بوصفه هوية ثقافية
لم تعد العودة إلى التقنيات القديمة مجرد انسحاب، بل تحولت إلى رمز ثقافي. فحمل هاتف بسيط في 2026 لم يعد علامة عجز، بل إشارة إلى اختيار واعٍ. رسالة صامتة تقول: “أنا أملك وقتي”.
في عالم الكاميرات الفيلمية، تكمن قيمة الندرة. بكرة تضم 36 صورة فقط تمنح كل لقطة وزنًا ومعنى، وتعيد متعة الانتظار في عصر النتائج الفورية. إنها عودة إلى عالم يُلمس ويُعاش، لا يُمسح عليه بإصبع مسرع.
صعود “الآلات الصامتة”
لغة الأرقام تؤكد هذا التحول. فوفق تقارير السوق لعامي 2024 و2025، شهدت مبيعات الهواتف التقليدية نموًا ملحوظًا في أوروبا وأمريكا الشمالية، خصوصًا بين الشباب الذين يتبنون مفهوم “الفصل الواعي” (Intentional Disconnection)، أي الانسحاب من العالم الرقمي بقرار مسبق لا بسبب نفاد البطارية.
وفي قلب هذا المشهد برز “نادي لوديت” (Luddite Club) في حي بروكلين بنيويورك، حيث استبدل مراهقون هواتفهم الذكية بأجهزة قديمة قابلة للطي، واجتمعوا في الحدائق للقراءة والرسم. اختيار الاسم يحيل إلى حركة “اللوديين” في القرن التاسع عشر، في استعارة ذكية لتمرد معاصر على “آلات” رقمية تسرق الوقت.
أصوات من قلب المعركة الرقمية
هذا التمرد لم يعد مجرد نزوة شبابية، بل يجد صداه لدى مفكرين بارزين. يرى الأكاديمي الأميركي كال نيوبورت، صاحب فلسفة “التقليلية الرقمية”، أن اختيار الهاتف البسيط فعل دفاعي لحماية القدرة على التركيز.
ويعتبر الأنثروبولوجي مايكل هاريس أن الانسحاب من الشاشة استعادة لـ“المساحة المقدسة مع النفس”، بعيدًا عن المراقبة والمقارنة.
أما رائد الواقع الافتراضي جيرون لانيير فيحذر من وهم المنصات التي أقنعت المستخدم بأنه زبون، بينما هو في الحقيقة منتج يُعاد تشكيل سلوكه لخدمة سوق الإعلانات.
وتضيف الطبيبة والباحثة آنا ليمبكي بُعدًا بيولوجيًا، إذ ترى أن الابتعاد عن الشاشات محاولة لإعادة ضبط كيمياء الدماغ، بعيدًا عن “الدوبامين السهل” الذي أضعف قدرتنا على الصبر والمعنى.
نزوة عابرة أم تحول دائم؟
يبقى السؤال: هل هي موجة مؤقتة أم تحول طويل الأمد؟ قد تبدو للبعض نزعة نوستالجية عاطفية، لكن القراءة الأعمق تشير إلى تحول يشبه الوعي البيئي؛ رفضٌ لا للتكنولوجيا كأداة، بل للأدلجة التي تفرضها الخوارزميات.
ربما يجبر هذا التيار شركات التقنية على إعادة التفكير في منتجات تحترم الحدود الإنسانية. وفي النهاية، لا يبدو أن الجيل الجديد يبحث عن الماضي لذاته، بل عن التركيز، وعن القدرة الفطرية على عيش اللحظة دون وسيط رقمي.
ربما يكون أذكى ما يمكن فعله بالهواتف الذكية اليوم… هو إغلاقها.





