رياضة

الكرة الذهبية.. لماذا تركزت الجائزة في دول محددة وغابت عن أساطير كبار؟

تبدو الكرة الذهبية، التي تمنحها مجلة «فرانس فوتبول» الفرنسية، مقياسا للتفوق الفردي في كرة القدم، وجائزة يسعى أبرز نجوم اللعبة إلى الفوز بها.

لكن العودة إلى تاريخها منذ إطلاقها عام 1956 تكشف مفارقة لافتة؛ فعلى الرغم من الانتشار العالمي لكرة القدم، ظل التتويج بها متركزا في عدد محدود من الدول، بينما غابت عنها أسماء كبيرة من قارات ومدارس كروية مختلفة.

فلماذا تركزت أمجاد الكرة الذهبية في دول بعينها؟ وهل يعكس سجل الفائزين التفاوت الحقيقي في مستويات اللاعبين، أم أن عوامل أخرى، مثل قواعد الترشح وقوة الدوريات الأوروبية والإنجازات الجماعية والحضور الإعلامي والتسويق، أسهمت في رسم خريطة التتويج بالجائزة؟

تحتل أوروبا موقعا مركزيا في كرة القدم العالمية، إذ تستقطب دورياتها الكبرى، وفي مقدمتها الإنجليزي والإسباني والألماني والإيطالي والفرنسي، أبرز المواهب من مختلف أنحاء العالم، وتوفر لهم منصات تنافسية تحظى بمتابعة جماهيرية وإعلامية واسعة.

ومع ذلك، تظل الكرة الذهبية جائزة فردية يفترض أن تعكس مستوى اللاعب وأداءه وتأثيره في فريقه، إلى جانب إنجازاته وألقابه.

لذلك، لا يتعلق السؤال بالدول التي فاز لاعبوها بالجائزة فحسب، بل يمتد إلى النجوم الذين قدموا مواسم استثنائية دون أن يتمكنوا من تحويل تألقهم إلى تتويج.

قواعد حرمت أساطير من المنافسة

تقدم حالتا البرازيلي بيليه والأرجنتيني دييغو مارادونا مثالا واضحا على تأثير القواعد في تحديد هوية الفائزين بالكرة الذهبية.

فعندما أطلقت «فرانس فوتبول» الجائزة عام 1956، اقتصرت المنافسة على اللاعبين الأوروبيين الذين ينشطون في الأندية الأوروبية، وهو ما حرم نجوم القارات الأخرى من الترشح، بصرف النظر عن قدراتهم وإنجازاتهم.

وكان بيليه، المتوج بكأس العالم ثلاث مرات أعوام 1958 و1962 و1970، خارج حسابات الجائزة، إذ أمضى معظم مسيرته الاحترافية مع نادي سانتوس البرازيلي.

أما مارادونا، الذي تألق مع برشلونة الإسباني ونابولي الإيطالي وقاد الأرجنتين إلى الفوز بكأس العالم عام 1986، فلم يكن مؤهلا للمنافسة بسبب جنسيته.

وتغيرت القواعد عام 1995، عندما فُتح باب الترشح أمام اللاعبين من مختلف الجنسيات، بشرط اللعب في ناد أوروبي. وفي العام نفسه، أصبح الليبيري جورج ويا أول لاعب أفريقي يفوز بالكرة الذهبية.

ثم جاء تعديل آخر عام 2007، أتاح المنافسة للاعبين من جميع الجنسيات، بصرف النظر عن مكان لعبهم.

وحصل بيليه ومارادونا لاحقا على تكريم فخري، لكن اسميهما لم يدرجا ضمن السجل الرسمي للفائزين بالكرة الذهبية التنافسية.

وتوضح هذه المحطة التاريخية أن محدودية قائمة الفائزين لم تكن دائما نتيجة مقارنة مباشرة بين مستويات اللاعبين، بل ارتبطت أيضا بشروط أهلية استبعدت في مراحل معينة مواهب من خارج أوروبا.

غير أن تعديل القواعد وحده لا يكفي لتفسير التفاوت في فرص التتويج خلال العقود اللاحقة.

خريطة التتويج.. ألقاب تتركز في دول محددة

تكشف قوائم الفائزين عن تفاوت واضح بين الدول، سواء في عدد مرات التتويج أو في عدد اللاعبين الذين تمكنوا من الفوز بالجائزة.

وتبرز الأرجنتين مثالا استثنائيا بفضل ليونيل ميسي، الذي فاز بالكرة الذهبية ثماني مرات، أعوام 2009 و2010 و2011 و2012 و2015 و2019 و2021 و2023، متقدما على البرتغالي كريستيانو رونالدو، الفائز بها خمس مرات.

أما فرنسا، فقد توزعت ألقابها على مجموعة من النجوم عبر أجيال مختلفة، من ريمون كوبا وميشال بلاتيني، الذي فاز بالجائزة ثلاث مرات متتالية بين عامي 1983 و1985، إلى زين الدين زيدان وكريم بنزيمة وعثمان ديمبيلي، المتوج عام 2025.

وفي هولندا، تقاسم يوهان كرويف وماركو فان باستن ورود خوليت سبعة ألقاب، بينما توزعت ألقاب البرتغال بين أوزيبيو ولويس فيغو وكريستيانو رونالدو.

وبرزت ألمانيا أيضا بسبعة ألقاب، عبر أسماء بارزة مثل فرانتس بكنباور وكارل هاينز رومينيغه وغيرهما.

وحصدت إيطاليا والبرازيل وإنجلترا خمسة ألقاب لكل منها، بينما فازت إسبانيا بالجائزة أربع مرات، والاتحاد السوفياتي السابق ثلاث مرات.

في المقابل، لم تفز دول أخرى بالجائزة إلا مرة واحدة، مثل ليبيريا التي دخل نجمها جورج ويا التاريخ عام 1995، وكرواتيا التي توج لاعبها لوكا مودريتش عام 2018، وأوكرانيا التي فاز نجمها أندري شيفتشينكو عام 2004.

ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن الدول صاحبة العدد الأكبر من الجوائز أنتجت دائما أفضل اللاعبين، لكنها تبرز أثر النجوم الاستثنائيين في الحصيلة الوطنية.

كما أن عدد مرات الفوز لا يساوي عدد الفائزين؛ فالأرجنتين حصدت ثماني جوائز عبر لاعب واحد، بينما توزعت ألقاب فرنسا على عدة لاعبين.

ومن هنا، فإن قراءة الخريطة الجغرافية للكرة الذهبية تتطلب التمييز بين عدد الدول التي فاز لاعبون منها بالجائزة، وعدد اللاعبين المتوجين، وإجمالي مرات الفوز.

نجوم تألقوا.. لكن الكرة الذهبية استعصت عليهم

إذا كانت القواعد التاريخية تفسر غياب بيليه ومارادونا، فإن حالات أخرى تثير تساؤلات مختلفة تتعلق بالمعايير التي تحدد الفائز بين مجموعة من النجوم الذين قدموا مستويات استثنائية خلال المواسم نفسها.

ولا يعني استحضار هذه الأسماء أنها كانت جميعا الأحق بالفوز، بل يتيح دراسة العلاقة بين الأداء الفردي والألقاب الجماعية، ومدى تأثير المنافسة وقوة الحضور الإعلامي في فرص التتويج.

ومن بين هذه الحالات، يبرز الأوروغواياني دييغو فورلان، الذي قدم مستويات لافتة مع منتخب بلاده وأنديته، لكنه لم يتمكن من الفوز بالكرة الذهبية. وتعيد مثل هذه الأمثلة طرح التساؤلات حول كيفية الموازنة بين التألق الفردي والإنجازات الجماعية عند اختيار الفائز.

فالكرة الذهبية لا تُمنح بمعزل عن السياق الكروي المحيط باللاعب؛ إذ تتداخل عوامل متعددة في تحديد الفائز، منها الأداء خلال الموسم، والألقاب التي حققها فريقه، والمنافسة مع نجوم آخرين، ومدى حضور اللاعب في المشهد الكروي العالمي.

وتظل الجائزة، رغم مكانتها التاريخية، انعكاسا لمعايير التصويت وظروف المنافسة في كل حقبة، وليست سجلا نهائيا يحسم وحده ترتيب أفضل لاعبي كرة القدم عبر التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى