باب شرقي.. حين تصبح البوابة ذاكرة وتمشي المدينة في الزمن

حين تدلف إلى باب شرقي في دمشق، لا تعبر مجرد بوابة حجرية عتيقة، بل تخطو في طبقات الزمن ذاته؛ تشم في الهواء عطر العصور، وتسمع في الصمت صدى أقدام القديسين والصحابة والشعراء وهم يشقون دروبهم على حجارة الشارع المستقيم. هنا، حيث يفتح الباب على جهة المشرق، لا تشرق الشمس وحدها، بل تتفتح الذاكرة، وينهض التاريخ كزهرة ياسمين بيضاء، نقية كالسلام المنشود، ومتعبة كالحنين الواقف على العتبة.
في هذا الحي، يتجاور رنين الأجراس مع نداء الأذان، وتتشكل الحياة بين مآذن وكنائس، وأسواق مطرزة بالحِرف، وبيوت تحرسها جدات دمشق بصمت خاشع. غير أن هذا الجمال العتيق، وإن ظل ماثلا في الملامح، لم ينجُ من الوجع؛ فالحي الذي كان فسيفساء للعيش المشترك وذاكرة ناطقة، يعاني اليوم شروخا في العمران والإنسان معا.
لمحة تعريفية
يعد باب شرقي أحد أشهر أبواب دمشق السبعة التاريخية، بل هو الباب الوحيد الذي احتفظ بهيئته المعمارية الرومانية القديمة بشكل شبه كامل. يقع في الجهة الشرقية من سور دمشق القديمة، ويفضي إلى حي عريق يحمل اسمه، يُعد من أقدم أحياء المدينة وأكثرها تجسيدا لتراكم الحضارات وتداخل الأزمنة، حيث امتزج العمران بالروح، والتاريخ بالحياة اليومية.
الجذور التاريخية
لكل حجر في دمشق حكاية، غير أن حجارة باب شرقي تحمل من عبق الأسطورة ما يجعلها أقرب إلى ذاكرة حية منها إلى بناء صامت. لم يُشيد هذا الباب ليكون مجرد عنصر دفاعي، بل ليغدو معبرا للحضارات وممرا للأفكار وشاهدا على تحولات الزمن.
باب الشمس في العهد الروماني
شُيّد باب شرقي في العهد الروماني خلال القرن الأول أو الثاني الميلادي، وكان يعرف باسم “باب الشمس”، نسبة إلى كوكب الشمس ضمن منظومة الأبواب السبعة التي ربطها الرومان بالكواكب المعروفة آنذاك. تميز الباب بثلاث فتحات؛ بوابة مركزية واسعة للعربات، تحف بها فتحتان أصغر للمشاة، وتزين واجهته أعمدة كورنثية تجسد عظمة الفن المعماري الروماني.
باب شرقي في التاريخ الإسلامي
مع الفتح الإسلامي لدمشق سنة 14هـ/635م، دخل المسلمون المدينة من هذا الباب بعد مفاوضات مع الروم، فانتقل الباب من رمزيته الرومانية إلى دلالته الإسلامية، دون أن تمحى ملامحه الأولى. ظل شاهدا على انتقال المدينة بين الحضارات، حيث أضيفت طبقات جديدة من المعنى إلى فسيفساء المكان.
التسمية والمكانة الرمزية
قد يبدو اسم “باب شرقي” توصيفا جغرافيا بسيطا، لكنه عبر القرون اكتسب حمولة رمزية عميقة. فهو امتداد لمعنى “باب الشمس” الروماني، وبوابة تستقبل النور، وتفتح المدينة على البادية والأفق المفتوح. في المخيال الدمشقي، لم يكن الشرق مجرد جهة، بل رمزًا للانبعاث والبداية والانتظار.
وتسللت هذه الدلالات إلى الأدبيات الصوفية، حيث صار باب شرقي مجازا لـ”شرق القلب” الذي ينفتح على الإشراق والمعنى. هكذا تحول الاسم إلى جسر بين الجغرافيا والوجدان، وبين الحجر والتجربة، وبين دمشق بوصفها مدينة محسوسة ودمشق كأثر خالد في النفس.
حي باب شرقي.. فسيفساء دمشقية حية
لا يُفهم باب شرقي بمعزل عن الحي الذي يحتضنه. فحي باب شرقي ليس مجرد نطاق عمراني حول البوابة، بل امتداد زمني واجتماعي يعكس تنوع دمشق وروحها المركبة. يمتد الحي ليتصل بأحياء القصاع والعمارة والأمين، مشكلا عقدة جغرافية وروحية في قلب المدينة القديمة.
الشارع المستقيم.. عمود التاريخ الفقري
يشق الحي الشارع المستقيم، أحد أقدم الشوارع الرومانية الباقية في العالم، والمذكور في سفر أعمال الرسل. يمتد من باب شرقي إلى باب الجابية، وكان قلب الحركة التجارية والدينية في دمشق القديمة، ولا يزال يحتفظ بملامح حجرية تروي تاريخا يمتد لقرون.
كنيسة حنانيا.. الإيمان تحت الأرض
في إحدى زوايا الحي، تقبع كنيسة القديس حنانيا، إحدى أقدم الكنائس تحت الأرض في العالم المسيحي. ارتبطت ببداية التحول الروحي لبولس الرسول، ما يضفي على الحي بعدا رسوليا يجعله شاهدا على مفاصل حاسمة في تاريخ الأديان.
فسيفساء الطوائف.. دمشق كما هي
يحتضن الحي تنوعا طائفيا عريقا؛ من الروم الأرثوذكس والسريان والكلدان والأرمن والموارنة، ولكل طائفة كنائسها وتقاليدها. لم يكن هذا التنوع سببا للصراع، بل شكّل أحد أسرار غنى المدينة، حيث تتعانق الأجراس مع المآذن في نغمة فريدة من التعايش.
بيوت الشام.. الياسمين حارس الذاكرة
تزدان أزقة الحي بالبيوت الشامية التقليدية ذات الباحات الداخلية والنوافذ الخشبية والسقوف العالية. ويتدلى الياسمين من الشرفات كأنه ذاكرة حية تهمس بأن الجمال يُصنع في الأرواح قبل الحجر، وأن دمشق تشبه بيوتها في عنادها النبيل أمام التشويه.
حرف وأسواق ونكهة زمن
يشتهر حي باب شرقي بأسواقه الصغيرة وحرفه اليدوية، من النحاس والزجاج الملون إلى الخشب المحفور، إضافة إلى المقاهي والمطاعم التي تقدم المطبخ الدمشقي الأصيل في أجواء لا تُصطنع للسياحة، بل تنبع من حياة الحي نفسه.
صمود تحت وطأة المعاناة
رغم قيمته التاريخية والثقافية، يعاني حي باب شرقي اليوم تآكلا صامتا. لم يكن في قلب المعارك خلال سنوات الحرب، لكنه تأثر بتداعياتها؛ توترات أمنية، تراجع سياحي، إغلاق محال، وانهيار بيوت قديمة بلا صيانة. ومع الانكماش الاقتصادي، انسحب كثير من الحرفيين والسكان، فتصدع النسيج الاجتماعي والمعماري.
التهجير الديمغرافي.. حين تفقد الجدران لهجتها
كان التغير الديمغرافي من أخطر ما أصاب الحي، إذ غادر عدد كبير من سكانه الأصليين، خصوصا من الطائفة المسيحية التي شكّلت عموده الاجتماعي التاريخي، ما أحدث خلخلة في الهوية الثقافية، وجعل بعض الجدران تفقد لهجتها التي عاشت بها قرونا.





