تداعيات حرب الشرق الأوسط تمتد إلى الأسواق الناشئة وتضغط على أرباح الشركات وتدفقات الاستثمار

بدأت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط بالانتقال من نطاق أسواق الطاقة والملاحة إلى قلب الأسواق المالية الناشئة، لتؤثر بشكل مباشر على تقييمات الأصول وتوقعات أرباح الشركات وحركة رؤوس الأموال العالمية.
وفي هذا السياق، خفّض بنك “غولدمان ساكس” توقعاته لنمو أرباح مؤشر “مورغان ستانلي” للأسواق الناشئة لعام 2026 بمقدار نقطتين مئويتين إلى 23%، في إشارة إلى اتساع تأثير الصراع على شهية المستثمرين وتزايد علاوات المخاطر في هذه الأسواق.
كما عدّل البنك تقديراته للمؤشر القياسي على المدى القريب، إذ خفّض أهدافه خلال 3 و6 أشهر إلى 1520 و1580 نقطة على التوالي، مقارنة بتوقعات سابقة أعلى، مع الإبقاء على الهدف متوسط الأجل عند 1680 نقطة خلال 12 شهراً.
وأشارت تقديرات البنك إلى أن ربحية السهم في المؤشر قد تصل إلى نحو 112 دولاراً في عام 2026، بانخفاض يقارب 2% عن التقديرات السابقة، موضحاً أن أي ارتفاع في أسعار النفط بنحو 30 دولاراً للبرميل قد يؤدي إلى اقتطاع ما بين 3% و4% من أرباح الشركات المدرجة.
ويمتد أثر هذه المراجعات إلى ما هو أبعد من الأرقام الفنية، ليعكس إعادة تسعير شاملة لمخاطر الاستثمار في الأسواق الناشئة، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة، وتعطل سلاسل الإمداد، وضغوط التضخم، وتشديد السياسات النقدية، إضافة إلى زيادة المخاطر المرتبطة بممرات الشحن الحيوية وعلى رأسها مضيق هرمز.
وتتعرض أرباح الشركات في هذه الأسواق لضغوط متعددة، إذ لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار النفط على تكلفة الطاقة المباشرة، بل يمتد إلى النقل والإنتاج والتأمين والشحن، ما يؤدي إلى تآكل هوامش الربحية، خاصة لدى الشركات التي تجد صعوبة في تمرير هذه التكاليف إلى المستهلك النهائي.
وفي المقابل، ينعكس ارتفاع التضخم على تراجع القوة الشرائية وضعف الطلب، لا سيما في القطاعات الاستهلاكية غير الأساسية، ما يزيد من الضغط على الإيرادات.
ورغم ذلك، لا يزال “غولدمان ساكس” يحتفظ بنظرة إيجابية طويلة الأجل تجاه أسهم الأسواق الناشئة، لكنه يرى أن المدى القريب سيبقى محفوفاً بالتحديات المرتبطة بعدم اليقين الجيوسياسي وصعوبة تقييم الأضرار في البنية التحتية للطاقة واستمرار اضطرابات الملاحة.
وتشير تقديرات البنك إلى تباين أداء المناطق، حيث يُتوقع أن تتصدر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قائمة الأكثر تراجعاً في الأرباح، تليها الهند، في حين يُرجح أن تحافظ أسواق شمال آسيا على قدر أكبر من المرونة بدعم قطاعي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، خصوصاً في كوريا الجنوبية وتايوان.
ويرى محللون أن خفض التوقعات لا يقتصر على “غولدمان ساكس”، بل يعكس توجهاً عاماً لدى المؤسسات المالية العالمية، في ظل تأثير ارتفاع أسعار النفط على سياسات البنوك المركزية الكبرى، بما في ذلك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك اليابان والبنوك الأوروبية.
ويؤدي استمرار ارتفاع أسعار الطاقة إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما يحد من تدفقات السيولة نحو الأصول عالية المخاطر ويضعف بيئة “الأموال الرخيصة” التي دعمت الأسواق في السنوات الماضية.
ويؤكد خبراء أن الشركات الآسيوية المستوردة للطاقة ستكون الأكثر تأثراً، خصوصاً في الصين، حيث تنتقل ضغوط التكلفة عبر كامل سلسلة الإنتاج من المصنع إلى المستهلك، مع اختلاف قدرة الشركات على امتصاص هذه الزيادات بحسب طبيعة السلع.
وعلى المستوى الجغرافي، يُتوقع أن تتحمل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا العبء الأكبر نتيجة موقعها الاستراتيجي، فيما تمتد التأثيرات إلى اقتصادات كبرى مثل الهند والصين وكوريا الجنوبية وتايوان، بسبب اعتمادها على واردات الطاقة وانكشافها على التجارة الإقليمية.
وتشير التقديرات إلى أن حجم التبادل التجاري بين دول الخليج وكل من الصين والهند يتراوح بين 400 و500 مليار دولار سنوياً، ما يجعل أي اضطراب ممتد في المنطقة عاملاً مؤثراً على الأسواق الناشئة ككل، مع توقع ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وزيادة علاوات المخاطر.
وفي سياق حركة الأموال، سجلت صناديق ديون الأسواق الناشئة تدفقات خارجة بعد فترة من التدفقات الإيجابية، في حين استمرت حالة الحذر في أسواق الأسهم، مع تراجع أداء المؤشرات الرئيسية وانخفاض العملات في العديد من الاقتصادات النامية.
ورغم ذلك، لا تزال التدفقات المالية الكبيرة إلى ديون الأسواق الناشئة مستمرة على مستوى سنوي، ما يشير إلى بقاء جزء مهم من السيولة العالمية، لكنه يتسم بحذر أكبر وترقب لمسار الصراع وأسعار الطاقة.
وانعكس هذا الوضع على أداء الأسواق، حيث تراجعت مؤشرات الأسهم والعملات في الدول النامية بشكل ملحوظ، مع تسجيل بعض الأسواق أسوأ أداء لها منذ أكثر من عامين.
ويرى محللون أن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يدفع المستثمرين إلى إعادة توزيع أصولهم نحو الملاذات الآمنة، في مقابل تراجع تدريجي في جاذبية الأسواق الناشئة، مع استمرار الضغوط على القطاعات الأكثر حساسية مثل المصارف والاستهلاك والسياحة والخدمات، مقابل استفادة نسبية لقطاع الطاقة في حال استقرار الأوضاع لاحقاً.





