اقتصاد

تمر المجهول في الأردن.. مليون نخلة وصناعة زراعية توظف الذكاء الاصطناعي

قبل أن تشرق الشمس على الأغوار الأردنية، يكون علي الزعاترة قد بدأ يومه في مزارع النخيل عند الخامسة فجرا، مستفيدا من اعتدال درجات الحرارة في الساعات الأولى من الصباح لجني ثمار التمر، قبل أن تشتد حرارة الشمس وتزداد مشقة العمل.

ولا تمثل النخلة بالنسبة إلى الزعاترة مجرد شجرة تنتظر موسم الحصاد، بل رفيقة عمر ومصدر رزق أسهم في إبقاء كثير من أبناء الأغوار قريبين من قراهم وأراضيهم.

ويقول الزعاترة إن العمل في مزارع التمور أتاح لسكان المنطقة فرصا لكسب عيشهم في قراهم، بدلا من الانتقال إلى العاصمة عمّان أو محافظات أخرى بحثا عن وظائف.

وينظر الزعاترة إلى موسم القطاف باعتباره موعدا سنويا ينتظره أبناء الوادي، مؤكدا أن النخلة «تعطي من يخدمها»، وأن العناية بها تتطلب خبرة ومتابعة في مختلف مراحل نموها، بدءا من الرعاية والتلقيح ومتابعة الثمار، وصولا إلى جني المحصول.

لماذا ينجح تمر المجهول في الأردن؟

يقول المهندس إبراهيم شعراوي، مالك عدد من مزارع النخيل في الأردن، إن شهرة المملكة بإنتاج تمر المجهول ترتبط إلى حد كبير بالخصائص المناخية لوادي الأردن، إذ يوفر انخفاض المنطقة عن مستوى سطح البحر ظروفا ملائمة لإنتاج ثمار عالية الجودة.

ويضيف أن ارتفاع درجات الحرارة خلال أشهر الصيف، من مايو/أيار إلى سبتمبر/أيلول، إلى جانب التفاوت المناسب بين درجات الحرارة ليلا ونهارا، يساعد على نمو ثمار المجهول ونضجها.

ويلفت شعراوي إلى أن هذا الصنف يتميز بخصائص شكلية واضحة، من بينها الخطوط الطولية التي تظهر على سطح الثمرة، مشيرا إلى أن الأردن والمناطق المجاورة في الضفة الغربية تتمتعان بظروف بيئية مناسبة لزراعته وإنتاجه بجودة مرتفعة.

مليون نخلة وأكثر من 700 مزرعة

تعكس بيانات قطاع التمور حجم التوسع الذي شهدته زراعة النخيل في الأردن خلال السنوات الماضية.

ويقول رئيس مجلس إدارة جمعية التمور الأردنية، أنور حداد، إن المملكة تضم نحو مليون نخلة، يشكل صنف المجهول أكثر من 85% منها، فيما تبلغ حصة البرحي نحو 10%، وتتوزع النسبة المتبقية، البالغة 5%، على أصناف أخرى.

ويضيف حداد أن عدد مزارع التمور تجاوز 700 مزرعة، بمساحة تزيد على 56 ألف دونم، وبإنتاج يتخطى 37 ألف طن، في حين تجاوز حجم الاستثمارات في القطاع نصف مليار دولار.

ولا تقتصر أهمية القطاع على الإنتاج الزراعي، إذ يوفر أكثر من 10 آلاف فرصة عمل، تشغل النساء أكثر من 40% منها. كما يضم 15 منشأة للتصنيع والتشغيل بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 20 ألف طن سنويا، بينما يصل متوسط استهلاك الفرد الأردني من التمور إلى قرابة 4 كيلوغرامات سنويا.

الذكاء الاصطناعي يفحص كل ثمرة

بعد انتهاء موسم القطاف، الذي يتركز خلال شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، ينتقل المحصول إلى مراكز الفرز والتعبئة، حيث تخضع الثمار لمراحل متعددة من الفحص والتصنيف.

ويوضح المستثمر في مجال تمور المجهول، قصي غوانمة، أن العملية تبدأ بالفرز اليدوي لإزالة الشوائب والثمار التالفة، قبل استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في فحص المحصول وتصنيفه.

ويضيف أن كل ثمرة تُلتقط لها 36 صورة باستخدام تقنيات وأشعة مختلفة، إلى جانب قياس مستوى الرطوبة وكثافة المياه داخلها، بهدف تحديد درجتها وفق معايير تشمل التقشير والرطوبة والجفاف واللون والتغيرات التي تطرأ عليه.

وبحسب غوانمة، يمكن تصنيف تمر المجهول إلى 18 فئة، وقد يصل العدد إلى 20 فئة، تبدأ بأعلى درجات الجودة وتتدرج إلى مستويات أخرى وفقا لخصائص الثمار.

وعقب انتهاء الفحص والتصنيف، تنتقل التمور إلى آلات حديثة للتعبئة والتغليف، ثم تخضع للتحقق من مطابقتها لمعايير الجودة، قبل تخزينها في مرافق تبريد تصل درجات الحرارة فيها إلى 18 درجة مئوية تحت الصفر، للمساعدة في الحفاظ على جودة المنتج خلال التخزين والنقل.

النساء الأردنيات في خطوط الإنتاج

تؤدي العاملات الأردنيات دورا بارزا في مراحل فرز التمور وتعبئتها وتغليفها، إذ تعتمد منشآت عاملة في القطاع على كوادر نسائية تلقت تدريبا مستمرا واكتسبت خبرة عملية على مدى سنوات.

ويقول غوانمة إن العاملات في منشآته راكمن خبرة تقارب ستة أعوام، ووصلن إلى مستويات متقدمة في التعامل مع عمليات الفرز والتصنيف والتعبئة.

وتنسجم هذه التجربة مع بيانات جمعية التمور الأردنية، التي تشير إلى أن النساء يشكلن أكثر من 40% من إجمالي العاملين في القطاع، بما يعكس دوره في توفير فرص العمل وتعزيز مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي.

من جانبه، يوضح حداد أن أجور العمالة تستحوذ على نحو 70% من تكاليف الإنتاج، الأمر الذي يشجع المنتجين على التوسع في استخدام التكنولوجيا لتحسين الكفاءة وخفض النفقات، مع الحفاظ على جودة التمور.

الصادرات تمثل 65% من الإنتاج

بعد استكمال عمليات الفرز والتعبئة والتخزين، تتجه كميات كبيرة من التمور الأردنية إلى الأسواق الخارجية، في ظل طلب متزايد على تمر المجهول.

ويقول غوانمة إن ترتيبات التصدير تبدأ مبكرا، اعتبارا من يوليو/تموز، وتشمل تركيا وعددا من الدول العربية والأسواق الأوروبية، التي يشهد الطلب فيها على تمر المجهول نموا ملحوظا، بحسب تقديره.

ويقدّر حداد أن الصادرات تستحوذ على نحو 65% من إجمالي إنتاج التمور الأردنية، بقيمة تقارب 60 مليون دينار سنويا.

ويتوقع ارتفاع قيمة الصادرات إلى نحو 150 مليون دينار بعد دخول جميع المساحات المزروعة مرحلة الإنتاج، بما يعزز مكانة القطاع بوصفه نشاطا زراعيا وتصديريا يوفر فرص العمل ويدعم الاقتصاد المحلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى