خسائر الاحتجاجات الإيرانية تتجاوز الأرقام المعلنة وتلقي بظلال ثقيلة على الاقتصاد والمجتمع

ما إن هدأت وتيرة الاحتجاجات التي اجتاحت معظم المدن الإيرانية خلال الأسابيع الماضية، حتى شرعت المؤسسات الرسمية في حصر الخسائر المادية والبشرية الناتجة عن المواجهات التي رافقت المطالب المعيشية، في وقت يرى فيه مراقبون أن التداعيات الحقيقية، خاصة غير المباشرة منها، لا تزال أبعد من أن تُقاس بالأرقام المتداولة.
وأعلن عمدة طهران، علي رضا زاكاني، أن الخسائر المادية التي لحقت بالمنشآت العامة التابعة لبلدية العاصمة بلغت نحو 30 تريليون ريال إيراني، أي ما يعادل 20.7 مليون دولار أميركي، موضحا أن الاحتجاجات أسفرت عن تضرر 89 حافلة، أُحرق عدد منها بشكل كامل، إضافة إلى تدمير مبنيين تابعين للبلدية.
من جانبه، كشف محافظ طهران محمد صادق معتمديان عن تدمير نحو ألف عربة، شملت سيارات أجرة وحافلات نقل عام ومركبات خاصة، فضلا عن تضرر 54 سيارة إسعاف و71 سيارة إطفاء. كما أشار إلى تعرض 44 مسجدا و26 مركزا للتسوق وعدد من منازل المواطنين لأضرار متفاوتة خلال الأحداث الأخيرة.
وفي تقرير بثه التلفزيون الإيراني الرسمي، جرى تسليط الضوء على حجم الخسائر التي طالت الاقتصاد الوطني، حيث أُحرقت ثلاث مكتبات كبرى، وتضررت ثمانية مواقع أثرية بشكل كبير، إلى جانب أضرار جزئية لحقت بنحو 450 موقعا أثريا آخر في أنحاء البلاد.
وأكد التقرير تضرر أربعة دور سينما، و250 مسجدا، و20 حسينية، و265 مركزا تعليميا، و182 سيارة إسعاف، و1400 جهاز صراف آلي، إضافة إلى 364 متجرا كبيرا و419 محلا تجاريا.
وقدرت الجهات الرسمية حجم الأضرار التي لحقت بقطاع الكهرباء بنحو 10 تريليونات ريال، وبشبكة المصارف بنحو 21 تريليون ريال، فضلا عن الخسائر التي تكبدتها المؤسسات الخدمية، مثل البلديات، والدفاع المدني، ووسائل النقل العام، والمراكز الطبية، والعتبات الدينية.
ويرى الخبير الاقتصادي سعيد ليلاز أن الصورة الكاملة للخسائر غير المباشرة لم تتضح بعد، مؤكدا أن الاحتجاجات الأخيرة أسهمت في تسريع تراجع قيمة الريال الإيراني خلال فترة زمنية قصيرة. وأشار إلى أن تكاليف إعادة الإعمار ستفرض أعباء مالية كبيرة على الحكومة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع العجز في الميزانية، ودفع البنك المركزي إلى زيادة طباعة النقود، وهو ما سينعكس سلبا على معدلات التضخم وسعر الصرف.
كما حذر ليلاز من أن التوتر السياسي مع الولايات المتحدة على خلفية الأحداث الأخيرة قد يؤدي إلى تشديد الضغوط الدولية على الاقتصاد الإيراني، في وقت يعاني فيه أصلا من تبعات العقوبات.
وفي سياق متصل، حذّر مراقبون اقتصاديون في طهران من أن السياسات المتبعة، وعلى رأسها قطع الإنترنت، تشكل ضربة إضافية لاقتصاد أنهكته العقوبات، مؤكدين أن استمرار تعطيل الشبكة يهدد ما تبقى من الاقتصاد الرقمي في البلاد.
وقال بشوتن بوربزشك، نائب رئيس اتحاد الأعمال الرقمية الإيراني، إن الانقطاعات المتكررة للإنترنت ألحقت أضرارا جسيمة بالشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة عبر المنصات الرقمية، مشيرا إلى أن مبيعات أكثر من 90% من هذه الشركات شهدت تراجعا حادا، بخسائر تُقدّر بتريليونات الريالات.
وأوضح بوربزشك أن أكثر من 100 ألف متجر إلكتروني توقف عن العمل فعليا، بينما تواجه أكثر من مليون وظيفة مرتبطة بالتجارة عبر منصات التواصل الاجتماعي تحديات غير مسبوقة، في ظل تقلص قدرة هذه الشركات على الصمود.
ووصف حالة الغموض المتعلقة بموعد عودة الإنترنت بشكل كامل بأنها عامل ضغط نفسي واقتصادي كبير، محذرا من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى انسحاب دائم لعدد واسع من الفاعلين من الاقتصاد الرقمي.
وفي ظل القيود المفروضة على الاتصالات، لا تزال الأرقام الدقيقة للخسائر البشرية غير معلنة، إذ تؤكد السلطات أن الإحصاءات لا تزال قيد التقدير، في حين تتحدث المعارضة الإيرانية في الخارج عن سقوط آلاف القتلى، وهو ما تنفيه الجهات الرسمية.
بدوره، حذر عالم الاجتماع الإيراني مجيد أبهري من التداعيات النفسية والاجتماعية العميقة للأحداث الأخيرة، معتبرا أن الضرر الحقيقي يتجاوز بكثير الخسائر المادية، مؤكدا أن الصدمات النفسية، خصوصا لدى النساء والشباب، ستكون من أصعب التحديات التي سيواجهها المجتمع الإيراني في المرحلة المقبلة.





