دعوات متجددة لاستبعاد إسرائيل من بينالي فينيسيا 2026 وسط تصاعد الضغط الثقافي الدولي

شهدت مطلع العام الجديد عودة مكثفة ومنظمة لدعوات استبعاد إسرائيل من بينالي فينيسيا 2026، المقرر انطلاقه في 9 مايو/أيار، بعدما تطورت الاحتجاجات التي رافقت دورة 2024 من تحركات ظرفية إلى حملة ثقافية عابرة للحدود، باتت تهدد بتعليق المشاركة الإسرائيلية بالكامل.
وقادت شبكات فنية وحقوقية، في مقدمتها تحالف «الفن لا للإبادة الجماعية» (Art Not Genocide Alliance – ANGA)، حملات رقمية وميدانية طالبت إدارة البينالي بمراجعة قرار قبول المشاركة الإسرائيلية، على خلفية استمرار الحرب على غزة.
وأكدت بيانات الحملة أن «التمثيل الرسمي لدولة منخرطة في حرب مستمرة ضد المدنيين» يتعارض مع القيم التي يعلنها بينالي فينيسيا بشأن الحوار الإنساني وحرية التعبير، معتبرة أن المشاركة تمنح شرعية ثقافية غير مبررة.
ورافقت هذه البيانات عرائض مفتوحة وقّعها فنانون وقيمون وأكاديميون من أوروبا وأميركا الشمالية وأميركا اللاتينية، دعوا فيها إلى «تعليق المشاركة الوطنية» إلى حين وقف العمليات العسكرية وضمان المساءلة القانونية.
وشهدت مدن ثقافية كبرى مثل برلين وباريس ولندن ونيويورك وقفات رمزية أمام مؤسسات فنية مرتبطة بالبينالي أو بشبكات العرض الدولية، رُفعت خلالها لافتات تربط مباشرة بين الحرب على غزة وشرعية المشاركة الإسرائيلية في المحافل الثقافية.
وشدد منظمو هذه التحركات على أن مطالبهم لا تستهدف الفنانين كأفراد، بل الصيغة الوطنية الرسمية للمشاركة، معتبرين أن الجناح الوطني يشكل «غطاءً ثقافيًا» لدولة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة.
في المقابل، تمسكت إدارة بينالي فينيسيا بموقفها التقليدي، مؤكدة في تصريحات إعلامية أنها «ليست مؤسسة سياسية» ولا تملك صلاحية استبعاد دول مشاركة، مع الإشارة إلى أن اختيار الفنانين ومواقع العرض يقع على عاتق الجهات الوطنية.
غير أن هذا الموقف لم ينهِ الجدل، بل زاده حدة، خاصة مع تداول معلومات عن نقل المشاركة الإسرائيلية من جناحها التاريخي في حدائق «جارديني» إلى موقع بديل في «أرسينالي» بسبب أعمال ترميم. وفسر معارضو المشاركة هذه الخطوة بوصفها «تراجعًا رمزيًا» تحت ضغط الاحتجاجات، رغم تقديمها رسميًا كإجراء تقني.
وبحلول منتصف يناير/كانون الثاني 2026، لم تعد المطالبات باستبعاد إسرائيل مجرد بيانات احتجاجية، بل تحولت إلى ملف ضاغط داخل البنية الثقافية الدولية، يربط بشكل مباشر بين غزة وشرعية التمثيل الإسرائيلي.
وكان افتتاح الدورة الستين من بينالي البندقية في أبريل/نيسان 2024 قد تميز بحضور فني واسع، تزامن مع احتجاجات جعلت قضايا الحرب والمسؤولية الثقافية في صلب النقاش. وفي ذلك العام، لم يفتح الجناح الإسرائيلي أبوابه في يوم العرض التمهيدي، بعدما أعلنت الفنانة الإسرائيلية روث باتير أن الجناح سيظل مغلقًا إلى حين وقف إطلاق النار في غزة والإفراج عن الرهائن.
وحول هذا القرار المشاركة الثقافية إلى موقف سياسي صريح داخل طقوس البينالي، في سياق تصاعد الاحتجاجات العالمية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وانتشار صور الدمار والضحايا، واستخدام مصطلح «الإبادة الجماعية» لوصف ما يجري في غزة من قبل ناشطين ومراقبين دوليين.
وامتدت تداعيات هذه الأحداث إلى القطاعات الثقافية التي طالما عملت في فضاءات بعيدة عن المواجهة السياسية المباشرة، حيث وقع أكثر من 12,500 فنان ومنسق وعامل ثقافي على عريضة إلكترونية تطالب باستبعاد إسرائيل من بينالي 2024، معتبرين أي تمثيل رسمي دعمًا ضمنيًا للعنف ضد المدنيين.
ورغم رفض إدارة البينالي والسلطات الثقافية الإيطالية لهذه المطالب، وتصريحات وزير الثقافة الإيطالي آنذاك جينارو سانجوليانو دفاعًا عن «حرية الفكر والتعبير»، ظل التوتر قائمًا بين مبادئ الحرية الفنية والمسؤولية الأخلاقية.
ومع افتتاح البينالي في أبريل/نيسان 2024، تجمع عشرات المتظاهرين خارج الجناح الإسرائيلي في «جارديني»، مرددين شعارات مناهضة للحرب، ما أدى إلى إغلاق الجناح في يوم الافتتاح لأول مرة منذ تأسيسه عام 1952.
وامتدت موجة الاحتجاجات الثقافية إلى دول أوروبية وأميركية أخرى، حيث انسحب فنانون ومؤسسات من معارض تضامنًا مع غزة، في مقابل شعور متزايد بالاغتراب لدى أصوات ثقافية إسرائيلية رأت أن أعمالها تُحمَّل تبعات سياسات حكومية لا تتحكم بها.
ومع اقتراب دورة 2026، عاد تحالف ANGA وحلفاؤه إلى التلويح بمقاطعة الدورة الحادية والستين، معتبرين أن دعوة إسرائيل للمشاركة تمثل «تواطؤًا ثقافيًا»، في وقت تجاوزت فيه الحرب على غزة عامها الثاني.
ويعكس الجدل المستمر حول بينالي فينيسيا كيف باتت الأزمات العالمية قادرة على اختراق أعرق المؤسسات الفنية، محولة الفعاليات الثقافية من فضاءات احتفاء بالفن المعاصر إلى ساحات مفتوحة للتفاوض السياسي والأخلاقي.





