رضا مامي… شاعر الجسور بين العربية والإسبانية وسيرة نصف قرن من الإبداع والترجمة

في مشهد الثقافة العربية، نادرًا ما نلتقي بأسماء استطاعت أن تحلّق بأكثر من جناح في سماء الأدب، فتجمع بين الشعر والترجمة والعمل الأكاديمي في مسار واحد متماسك وطويل النفس، كما فعل الكاتب والمبدع التونسي الدكتور رضا مامي، الذي أمضى أكثر من نصف قرن متنقّلًا بين الكلمات واللغات، وبين الثقافتين العربية والإسبانية.
لم يكن هذا المسار مجرّد تراكم مهني أو تنوّع في الاهتمامات، بل تجربة إنسانية ومعرفية عميقة في العبور بين اللغات وبناء الجسور بين الحضارات، والإنصات إلى الآخر دون التفريط في أصالة الذات. فمن موقعه شاعرًا ومترجمًا وباحثًا أكاديميًا، قدّم مامي نموذجًا خاصًا في نقل الشعر العربي إلى اللغة الإسبانية، لا بوصفه فعل ترجمة فحسب، بل باعتباره إعادة خلق للنص داخل سياق ثقافي جديد.
في قصائده وترجماته، تتجاور مشاعر الحنين والغربة، وتلتقي الرمزية بالمتعة اللغوية، بينما يظل السؤال مفتوحًا بين الأصالة والحداثة، وبين الذاكرة والراهن. وقد تنوّعت أعماله بين الشعر والنقد والترجمة، من بينها كتاب «من عيون شعر الشابي» الذي نقل فيه مختارات من أشعار أبي القاسم الشابي إلى الإسبانية، وكتاب «قرطاج أرض الإلهام»، وهو مؤلف جماعي شارك فيه أكاديميون وشعراء من 11 بلدًا، إضافة إلى دواوين شعرية مثل «أقمار خريف» و*«أقمار ربيع»* و*«الشاعر والقمر»*، فضلًا عن أكثر من 14 مؤلفًا بين كتب نقدية إبداعية وترجمات نُشرت في إسبانيا وأميركا اللاتينية.
وعلى المستوى الأكاديمي، أشرف رضا مامي على عشرات البحوث وأطروحات الدكتوراه، وشارك في أكثر من 90 مؤتمرًا دوليًا، ليكرّس حضوره بوصفه جسرًا معرفيًا حيًّا بين الثقافة العربية والعالم الناطق بالإسبانية.
وتُوّجت هذه المسيرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بانضمامه إلى الأكاديمية المكسيكية للتاريخ والجغرافيا، ليصبح أول عربي وأفريقي ينال هذه العضوية، بعد انضمامه عام 2023 إلى أكاديمية أميركا الشمالية للأدب العالمي المعاصر في نيويورك، في اعتراف دولي لافت بمجهوداته في مجالات الأدب المقارن والترجمة والدراسات الثقافية، مقابل ما يصفه بغياب التقدير الكافي داخل الفضاء الثقافي العربي.
في هذا الحوار، يتحدّث رضا مامي عن رؤيته للشعر بوصفه لغة للحرية وبناء الجسور بين الثقافات، وعن العلاقة المركّبة بين الإبداع والأكاديمية، ودور المثقف في مواجهة السلطة والدفاع عن العدالة. كما يستعرض أفكاره حول الثورة التونسية، والإرث الأندلسي والموريسكي، وكيف يوازن في مشروعه بين التراث والحداثة، وبين الذات والآخر، ليقدّم تجربة شعرية وأكاديمية فريدة تفتح آفاقًا جديدة للحوار والتفكير والإبداع.





