روسيا توسع إجراءاتها ضد الشركات الأوروبية العاملة على أراضيها وسط تصاعد التوتر الاقتصادي

لم تعد الشركات الأوروبية التي تواصل نشاطها في روسيا تواجه فقط تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات الأوروبية وصعوبات تحويل الأرباح إلى الخارج، بل باتت أصولها نفسها عرضة لإجراءات روسية متزايدة.
وخلال سبتمبر/أيلول 2026، وسعت موسكو نطاق الشركات الأوروبية الموضوعة تحت ما يعرف بـ«الإدارة المؤقتة»، في خطوة تأتي في ظل تصاعد الخلافات الاقتصادية والسياسية بين روسيا والاتحاد الأوروبي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
وشملت الإجراءات الأخيرة شركات أوروبية كبرى، من بينها مجموعة «نستله» السويسرية، و«مترو إيه جي» الألمانية، و«أوشان» الفرنسية.
رسائل روسية إلى الشركات الأوروبية
وعندما سُئل مصدر حكومي روسي عن الشركات الأوروبية التي قد تواجه إجراءات مماثلة مستقبلاً، بما في ذلك فرع بنك «يونيكريديت» الإيطالي وشركة «رايفايزن» النمساوية، اكتفى بالقول إن على هذه الشركات أن تشعر بالقلق.
ونقلت تقارير عن مصدر يعمل في إحدى الشركات الروسية أن بعض الشركات الأوروبية تتعمد، من وجهة نظره، إبطاء تطوير فروعها داخل روسيا، بما ينعكس سلباً على الاقتصاد المحلي.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه شركات أوروبية عديدة تحاول الموازنة بين كلفة الانسحاب من السوق الروسية والمخاطر المتزايدة الناجمة عن استمرار أنشطتها هناك.
عقوبات متبادلة بين موسكو وبروكسل
وتندرج الإجراءات الروسية ضمن سياق أوسع من التدابير الاقتصادية المتبادلة بين روسيا والاتحاد الأوروبي.
وكان الاتحاد الأوروبي قد جمد نحو 210 مليارات يورو من الأصول السيادية الروسية منذ بداية الحرب في أوكرانيا، إلى جانب فرض قيود على أصول مرتبطة بشركات وأفراد روس.
كما جدد الاتحاد الأوروبي العقوبات المفروضة على نحو 3 آلاف شخص وكيان في روسيا، مبرراً ذلك بعدم وجود مؤشرات كافية، من وجهة نظره، على استعداد موسكو لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
في المقابل، تقول موسكو إن إجراءاتها ضد أصول الشركات الأجنبية ترتبط بمواقف الدول التي تصنفها روسيا ضمن «غير الصديقة»، وبما تعتبره دعماً أوروبياً لأوكرانيا.
وأوضح المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن موسكو لا ترى في الوقت الراهن أسباباً للتراجع عن هذه الإجراءات، مشيراً في الوقت نفسه إلى إمكانية مراجعتها مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.
ولم يقدم بيسكوف تفاصيل تثبت اتهامات موسكو للدول الأوروبية بالتورط المباشر في العمليات العسكرية، بينما سبق لمسؤولين روس أن أشاروا إلى الدعم العسكري والاستخباراتي الأوروبي لأوكرانيا، بما في ذلك تزويدها بالأسلحة والمعلومات المتعلقة بتحديد الأهداف.
أكثر من 100 شركة تحت الإدارة المؤقتة
وبحسب بيانات جمعتها وكالة الأنباء الروسية «تاس»، فرضت روسيا إدارة مؤقتة على 135 شركة أجنبية، معظمها من دول الاتحاد الأوروبي، ومن بينها مجموعة «دانون» الفرنسية وشركة «كارلسبرغ» الدنماركية.
وقدرت شركة المحاماة الروسية «إن إس بي» عدد الشركات الغربية المتضررة من العقوبات الروسية بنحو 22 شركة.
في المقابل، تشير رابطة الشركات الأوروبية إلى أن 330 شركة من أعضائها لا تزال تمارس أنشطتها في روسيا، مقارنة بنحو 400 شركة في العام السابق.
ولم تطل الإجراءات المماثلة أي شركة أميركية كبرى، رغم وضع بعض الشركات الأميركية الأصغر تحت الإدارة المؤقتة، فيما قدرت غرفة التجارة الأميركية عدد الشركات الأميركية التي لا تزال تعمل في روسيا بنحو 300 شركة خلال العام الجاري.
الشركات الألمانية في دائرة الضغط
وتبرز الشركات الألمانية بشكل خاص في المشهد، في ظل توتر متزايد بين موسكو وبرلين.
ويرى ستيفان مايستر، خبير الشؤون الروسية في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية، أن روسيا تزيد الضغط على ألمانيا في إطار ما وصفه بالحرب الهجينة، مشيراً إلى احتمال تعرض مزيد من الشركات والأصول الألمانية في روسيا لضغوط.
ويقول مايستر إن موسكو تنظر إلى ألمانيا باعتبارها أحد أبرز خصومها في أوروبا، في ظل دورها في دعم أوكرانيا.
وتزامن تصاعد التوتر مع تبادل إجراءات دبلوماسية بين البلدين عقب هجوم بمسيرة على مطار لايبزيغ، حيث حملت برلين موسكو المسؤولية عنه، قبل أن تتخذ روسيا وألمانيا إجراءات متبادلة شملت إغلاق منشآت دبلوماسية وثقافية.
مترو تفقد السيطرة التشغيلية على أعمالها
وكانت شركة «مترو إيه جي» الألمانية من أبرز الشركات التي طالتها الإجراءات الروسية الأخيرة.
وأوضحت الشركة أن «مترو روسيا» لا تزال تابعة لها من الناحية الرسمية، لكنها لم تعد تمتلك السيطرة التشغيلية على أعمالها داخل البلاد.
وبموجب القرار الروسي، وضعت أصول الشركة تحت إدارة «يو كيه تورغ روس»، وهي شركة قالت «مترو» إن ملكيتها تعود إلى يوهانس ثولي، الرئيس التنفيذي لـ«مترو روسيا».
وتوظف «مترو» نحو 9 آلاف شخص في روسيا، وكانت قد أعلنت منذ عام 2022 خطوات لتقليص ارتباطها بأعمالها في السوق الروسية.
الشركات الفرنسية أمام خيارات صعبة
وتقدم الشركات الفرنسية نموذجاً واضحاً للتحديات التي تواجهها الشركات الأوروبية في روسيا.
فقد كانت فرنسا من أبرز المستثمرين في السوق الروسية قبل اندلاع الحرب عام 2022، لكن الشركات الفرنسية اتخذت مواقف مختلفة بعد بداية النزاع.
ومن بين الشركات التي غادرت السوق الروسية شركة «رينو» للسيارات، التي أنهت أعمالها هناك بعد نحو شهر من اندلاع الحرب، وقبل تشديد الإجراءات المتعلقة بخروج الشركات الأجنبية.
في المقابل، اختارت شركات فرنسية أخرى مواصلة نشاطها، من بينها «أوشان» و«ليروي ميرلان»، رغم اختلاف مستويات أعمالها داخل روسيا.
وتعمل نحو 23 شركة فرنسية في السوق الروسية حالياً، بينما خفضت بعض الشركات الأخرى نشاطها أو جمدته.
وتواجه هذه الشركات معادلة معقدة، إذ قد تكون كلفة الانسحاب من السوق مرتفعة، في الوقت الذي يمثل فيه توسيع الاستثمارات في روسيا مخاطرة إضافية في ظل العقوبات وحالة عدم اليقين، ما يجعل استمرار النشاط بالنسبة لبعضها خياراً مرتبطاً بتقليل الخسائر أكثر من كونه توسعاً في السوق.





