سكك حديد مصر.. تاريخ يمتد لأكثر من 170 عامًا يوثقه كتاب موسوعي

مرّ أكثر من 170 عامًا على انطلاق أول قطار في مصر عام 1854، عندما سيرت البلاد أول خط سكك حديد ربط بين القاهرة وكفر الزيات، قبل أن يكتمل خط القاهرة–الإسكندرية عام 1856، ثم تتوالى الخطوط نحو السويس وبورسعيد، وصولًا إلى صعيد مصر عام 1887.
وتُعد مصر ثاني دولة في العالم تستخدم السكك الحديدية بعد بريطانيا، والأولى في أفريقيا والشرق الأوسط، ما منحها مكانة مبكرة في تاريخ النقل الحديث.
ليونيل فينير يوثق التجربة المصرية
من أبرز من أرّخوا لهذه التجربة المهندس البلجيكي ليونيل فينير، الذي أصدر عام 1930 كتابه “تاريخ سكك حديد مصر”، والذي أعاد المركز القومي للترجمة بالقاهرة نشره في أكتوبر/تشرين الأول 2025 في مجلد يتجاوز 400 صفحة، بترجمة الباحث الدكتور حسن نصر الدين.
يتناول الكتاب نشأة السكك الحديدية في مصر وأسباب إنشائها، مستعرضًا تفاصيل فنية وهندسية وإدارية دقيقة، تؤكد أن مصر كانت من أوائل الدول التي تبنت أحدث وسائل المواصلات في القرن التاسع عشر.
من العقد الأول إلى اكتمال الشبكة
يرجع الفصل الأول من الكتاب بداية المشروع إلى يونيو/حزيران 1851، حين وقع الخديوي عباس الأول عقدًا بقيمة 56 ألف جنيه إسترليني مع المهندس البريطاني روبرت ستيفنسون – نجل جورج ستيفنسون مخترع القاطرة البخارية – لإنشاء خط بطول 209 كيلومترات يربط القاهرة بالإسكندرية.
ويؤكد فينير أن المرحلة بين 1854 و1879 شكلت الانطلاقة الحقيقية لتطور السكك الحديدية، مشيرًا إلى أدوار الحكام، بدءًا بمحمد علي الذي أدرك أهمية المشروع مبكرًا، مرورًا بعباس باشا الذي منح أول امتياز للتشغيل، وصولًا إلى سعيد باشا الذي اكتملت في عهده ملامح الشبكة الأساسية في الوجهين البحري والقبلي.
كما يرصد المؤلف نشأة قطارات الضواحي، خاصة خط حلوان بين عامي 1870 و1872، الذي أدخل القاهرة عصر الربط بين مركز العاصمة وضواحيها، وتلاه انتشار خطوط “الترام” داخل المدن.
موسوعة فنية شاملة
يتوزع الكتاب على أربعة أبواب، تناول أولها أصول السكك الحديدية وتطورها حتى عام 1879، فيما بحث الثاني في شركات السكك الحديدية، وتطرق الثالث إلى السكك الزراعية ذات المسارات الضيقة وسكك الضواحي والتعدين، بينما تناول الرابع خط سكك حديد السودان الإنجليزي–المصري.
ويضم العمل نحو 150 جدولًا تتضمن بيانات فنية ومالية وإحصائية دقيقة، إلى جانب صور نادرة ورسوم هندسية للجسور والقناطر والعربات والقاطرات، مع ذكر مقاسات القضبان وبلدان التصنيع والشركات المنتجة.
كما يتناول المؤلف امتداد الخطوط خارج مصر نحو فلسطين شمالًا، حيث أنشئ خط خلال الحرب العالمية الأولى لخدمة المجهود الحربي البريطاني، واكتمل عام 1918.
ذاكرة حية على القضبان
وتعزز هذه الذاكرة التاريخية بوجود المتحف المصري للسكك الحديدية، الذي أنشئ عام 1933، ويضم مئات النماذج والصور والخرائط التي توثق مسيرة هذا المرفق الحيوي.
وبذلك، يشكل كتاب “تاريخ سكك حديد مصر” مرجعًا موسوعيًا يسد فراغًا معرفيًا مهمًا، ويعيد قراءة تجربة رائدة وضعت مصر في طليعة الدول التي تبنت ثورة النقل الحديثة منذ منتصف القرن التاسع عشر.





