تقنية

عالم بلا إشارات: هشاشة الإنترنت والانقطاع الرقمي كاختبار للنظام الدولي

في مشهد مبكر من فيلم “اترك العالم خلفك” (Leave the World Behind)، لا يحدث انفجار أو إعلان حرب، بل يحدث ما هو أبسط وأشد إزعاجاً: تختفي الإشارات. الهواتف تبحث عبثًا عن شبكة، الإنترنت يتلاشى فجأة، أنظمة الملاحة تفقد اتجاهها، والبث يتوقف دون تفسير. يتحول الصمت إلى إدراك ثقيل: البنية التي تحمل العالم لم تعد تعمل، ولا أحد يعرف السبب، لكن الاعتماد الكامل على شبكة غير مرئية يتحول في لحظة إلى هشاشة مطلقة.

هذا السيناريو قد يبدو خيالياً، لكنه أقرب إلى واقعنا مما نتصور. فحين يتعطل الاتصال ثوانٍ قليلة، يشعر الإنسان بالاضطراب، لكنه سرعان ما يكتشف أنه لا يستخدم الشبكة فحسب، بل يعيش داخلها. السؤال الأكثر إزعاجاً: ماذا لو صمتت الشبكة نفسها لأيام أو أسابيع؟ عندها لن يكون الأمر مجرد خلل تقني، بل اختباراً بنيوياً للنظام الدولي الذي أُعيد تشكيله عبر الاتصال الرقمي.

يُقدَّر عدد مستخدمي الإنترنت عالمياً بنحو 6 مليارات شخص، أي حوالي ثلاثة أرباع سكان الأرض، في حين تجاوز مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي 5.24 إلى 5.66 مليارات، ما يمثل أكثر من ثلثي البشرية تقريباً. هذه الأرقام لا تعكس الانتشار التقني فقط، بل تحوّل حضاري عميق: الاقتصاد، التعليم، أنماط العمل، والهويات الاجتماعية باتت مترابطة بالبنية الرقمية. انقطاع الإنترنت الواسع يعني اهتزاز منظومة الاعتماد المتبادل التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، من المعاملات المالية العابرة للحدود إلى أنظمة النقل والطاقة والمياه.

رغم أن الإنترنت صُمم كشبكة لامركزية تقاوم الأعطال، إلا أن بنيتها المادية مركزة. تمر أكثر من 95% من حركة البيانات العالمية عبر كابلات بحرية تمتد في قاع المحيطات، وتُدار من قبل شركات كبرى وتحالفات تجارية. كما تتحكم عدد محدود من خوادم الجذر في نظام أسماء النطاقات، بينما تتركز مراكز البيانات في مناطق محددة. هذه الحقيقة تجعل الشبكة، رغم تصميمها المقاوم، عرضة لهجمات سيبرانية منسقة أو تخريب مادي أو أحداث طبيعية استثنائية.

عند انقطاع واسع، تظهر فجأة الفوارق بين الدول: تلك التي استثمرت في بنية تحتية سيادية قد تستمر في تشغيل شبكات داخلية محدودة، بينما الدول المعتمدة على الخدمات السحابية العابرة للحدود تواجه فراغاً تشغيلياً، ويصبح مفهوم “السيادة الرقمية” متغيراً حاسماً في إدارة الاستقرار الداخلي.

الصدمة قد تدفع الدول إلى تعزيز شبكات وطنية أو إقليمية مغلقة، ما يزيد احتمالية تجزئة الإنترنت العالمي ليس كخيار أيديولوجي، بل كاستجابة استراتيجية لمخاطر كشفتها الأزمة. مجرد تصور خروج 6 مليارات شخص عن الشبكة يكشف حجم التحول الذي نعيشه: انقطاع الإنترنت اليوم يعادل، من حيث الأثر البنيوي، تعطل شبكات الكهرباء في القرن العشرين أو إغلاق الممرات البحرية في القرون السابقة.

وأخطر من الانقطاع ذاته هو من يملك الشبكة فعلياً، ومن يتحكم في مفاتيحها، ومن يدير بنيتها التحتية، ويحدد الوصول إليها. فالإنترنت، الذي نتصوره فضاءً مفتوحاً وعابراً للحدود، يقوم في الحقيقة على توازن دقيق بين دول، شركات، وهيئات تنظيمية وتحالفات تقنية، وهو ليس “ملكية عامة” ولا “أرضاً بلا سيادة”، بل شبكة معقدة من الامتيازات والهيمنات الناعمة.

هشاشة الشبكة تكشف عن قيودها، واستمرار عملها يكشف عن بنية السلطة التي تنظمها بصمت، مما يفتح الباب أمام أسئلة أعمق عن الملكية والهيمنة في العصر الرقمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى