قرار أمريكي بتقييد الوصول إلى نماذج أنثروبيك يثير مخاوف أوروبية بشأن السيادة الرقمية

أثار قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بإلزام شركة أنثروبيك بتعليق الوصول إلى أحدث نماذجها للذكاء الاصطناعي موجة واسعة من الجدل داخل أوروبا، بعدما اعتبره مسؤولون وخبراء دليلاً على قدرة الولايات المتحدة على التحكم في التقنيات الإستراتيجية لأسباب تتعلق بالأمن القومي.
وأعاد القرار إلى الواجهة النقاش حول مستقبل السيادة الرقمية، ودور الذكاء الاصطناعي في التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، في ظل تزايد الاعتماد العالمي على النماذج اللغوية المتقدمة.
قيود بدوافع الأمن القومي
بحسب التقارير، أصدرت إدارة ترمب توجيهات تلزم شركة أنثروبيك بمنع غير الأمريكيين، بمن فيهم الموظفون الأجانب داخل الشركة، من الوصول إلى أحدث نماذجها المعروفة باسم “فابل 5” و**”ميثوس 5″**، الأمر الذي دفع الشركة إلى تعليق استخدام النموذجين بشكل كامل.
وتُعد هذه النماذج من بين الأكثر تطورًا في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ تمتلك قدرات متقدمة في تحليل البيانات والبرمجة والأمن السيبراني، وهو ما دفع السلطات الأمريكية إلى التعامل معها باعتبارها تقنيات ذات حساسية إستراتيجية.
ورغم عدم إعلان الأساس القانوني بشكل رسمي، تشير تقارير إلى أن القرار استند إلى ضوابط التصدير الأمريكية المستخدمة أيضًا في تقييد تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.
خلاف حول الدوافع التقنية
وتباينت الروايات بشأن الأسباب التي سبقت القرار، إذ تحدثت تقارير عن اكتشاف ثغرات أمنية في نموذج “فابل 5” قد تسمح بتجاوز بعض القيود الأمنية المفروضة عليه.
في المقابل، أكدت شركة أنثروبيك أن الاختبارات لم تكشف سوى عن ثغرات محدودة ومعروفة مسبقًا، مشيرة إلى أن نماذج منافسة تواجه تحديات مشابهة، وأن الإجراءات الحالية جاءت استجابة لتوجيهات حكومية مرتبطة بضوابط التصدير.
ويرى عدد من الخبراء أن تطبيق هذه السياسة قد يواجه صعوبات عملية، نظراً لاعتماد شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية على آلاف الباحثين والمهندسين من جنسيات مختلفة.
أوروبا تعيد طرح ملف السيادة الرقمية
في أوروبا، اعتُبر القرار بمثابة إنذار جديد بشأن الاعتماد الكبير على التكنولوجيا الأمريكية، إذ رأت عدة أصوات سياسية أن امتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبح قضية سيادة وطنية لا تقل أهمية عن أمن الطاقة أو الصناعات الدفاعية.
وأكد مسؤولون أوروبيون أن التطورات الأخيرة تعزز الحاجة إلى الاستثمار في تطوير نماذج أوروبية مستقلة وبنية تحتية حاسوبية قادرة على تقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية في القطاعات الإستراتيجية.
كما شدد عدد من الساسة الفرنسيين على ضرورة منح الأولوية للحلول الأوروبية، معتبرين أن السيطرة على تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت عنصراً أساسياً في الحفاظ على الاستقلال الاقتصادي والتكنولوجي للقارة.
الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة التنافس الجيوسياسي
ويرى محللون أن القرار يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من كونه مجالاً تقنياً إلى ورقة جيوسياسية تستخدمها الدول الكبرى ضمن حسابات الأمن القومي والمنافسة الإستراتيجية.
ويعتقد خبراء أن الولايات المتحدة تمتلك حالياً أفضلية واضحة في تطوير النماذج المتقدمة، بينما تواصل الصين جهودها لتقليص الفجوة رغم القيود المفروضة على حصولها على الرقائق الإلكترونية المتطورة.
كما يلفت مراقبون إلى أن السباق الحالي لا يقتصر على تطوير نماذج أكثر قوة، بل يشمل أيضاً القدرة على التحكم في الوصول إليها، وهو ما قد يجعل الذكاء الاصطناعي أحد أهم عناصر النفوذ الدولي خلال السنوات المقبلة، مع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى على قيادة هذا القطاع الحيوي.





