لبنان وسوريا تبحثان فتح صفحة اقتصادية جديدة عبر الاستثمار والتجارة

يسعى لبنان وسوريا إلى إعادة بناء علاقاتهما الاقتصادية على أسس جديدة، بعد سنوات طغت خلالها الملفات السياسية والأمنية على طبيعة العلاقة بين البلدين. وفي هذا السياق، استضافت بيروت المنتدى اللبناني السوري للاستثمار 2026، بمشاركة مسؤولين ورجال أعمال ومستثمرين من الجانبين لبحث فرص التعاون في عدد من القطاعات.
وتناول المنتدى مجالات التجارة والنقل والسياحة والصحة والتكنولوجيا وإعادة الإعمار، إلى جانب بحث سبل تمويل الاستثمارات وتعزيز الثقة بين القطاعين الخاص والعام، في محاولة لتحويل الروابط الجغرافية والمصالح المتبادلة إلى مشروعات اقتصادية قابلة للتنفيذ.
لكن النقاشات لم تقتصر على الفرص الاستثمارية، إذ برزت ملفات عملية تمثل تحديات أمام حركة الأعمال، من بينها الحدود والجمارك والتأشيرات وحركة الشاحنات والضرائب، وهي قضايا يرتبط حلها بشكل مباشر بقدرة المستثمرين على توسيع نشاطهم وإقامة شراكات بين البلدين.
توجه نحو شراكة اقتصادية جديدة
جاء انعقاد المنتدى برعاية الرئيس اللبناني جوزيف عون، في وقت يعمل فيه لبنان وسوريا على إعادة تنظيم علاقاتهما الاقتصادية، وسط اهتمام بإعادة تحديد دور البلدين في المشهد الاقتصادي الإقليمي.
وتضمن برنامج المنتدى جلسات تناولت مستقبل العلاقات الاقتصادية بين لبنان وسوريا، وآليات تمويل الاستثمار واستعادة ثقة المستثمرين، إضافة إلى ملفات إعادة الإعمار والتنمية المستدامة والنقل والمرافئ والوصول إلى الأسواق الإقليمية.
كما شملت الفعاليات لقاءات مباشرة بين ممثلي القطاعات الاقتصادية ورجال الأعمال من البلدين، بهدف بحث فرص التعاون والمشروعات المشتركة بصورة عملية.
وقال وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط، الذي مثّل الرئيس اللبناني في افتتاح المنتدى، إن العلاقات بين البلدين شهدت محطات وتجارب متعددة، داعيا إلى الاستفادة من دروس الماضي وتحويل القرب الجغرافي إلى فرصة اقتصادية.
وأشار البساط إلى أن لبنان وسوريا أمام إمكانية بناء علاقات اقتصادية أكثر وضوحا وتوازنا، مؤكدا أهمية الانتقال من مرحلة طرح الأفكار إلى بناء المؤسسات ثم تنفيذ الاتفاقات والمشروعات على أرض الواقع.
من جانبه، أكد وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار أن التكامل الاقتصادي بين البلدين لا يعني تخلي أي طرف عن خصوصيته أو مصالحه، مشددا على ضرورة إعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية ضمن إطار أكثر وضوحا وتوازنا، مع احترام سيادة البلدين واستقلال قرارهما.
ورأى الشعار أن استقرار الاقتصاد اللبناني يصب أيضا في مصلحة سوريا، معتبرا أن تطوير العلاقات التجارية والاستثمارية يمكن أن يحول الاقتصاد إلى مساحة للمصالح المشتركة ودعم الاستقرار.
بدوره، دعا القائم بالأعمال السوري في لبنان إياد الهزاع إلى الانتقال من مفهوم الجوار الجغرافي إلى شراكة اقتصادية أوسع، مشيرا إلى إمكانية الجمع بين القدرات الخدماتية واللوجستية اللبنانية والإمكانات السورية لتعزيز التعاون بين البلدين.
ملفات تعرقل حركة الاستثمار
ويواجه القطاع الخاص في البلدين مجموعة من الملفات التي تحتاج إلى معالجة قبل أن تتحول التفاهمات السياسية والاقتصادية إلى استثمارات ومشروعات فعلية.
وقال رئيس الهيئات الاقتصادية اللبنانية محمد شقير إن المنتدى يمثل خطوة مهمة، مشيرا إلى أن مشاركة وفد سوري يضم خمسة وزراء تعكس اهتماما بتطوير العلاقات مع لبنان والقطاع الخاص فيه.
وأوضح شقير أن سوريا تشكل سوقا مهمة للشركات ورجال الأعمال اللبنانيين، لافتا إلى أن عددا من المستثمرين اللبنانيين بدأوا بالفعل التوجه إلى السوق السورية واستكشاف فرص العمل والاستثمار فيها.
لكن تعزيز هذا النشاط يتطلب معالجة ملفات الحدود والتأشيرات والجمارك وتنظيم حركة الشاحنات اللبنانية، إلى جانب مجموعة من الاتفاقيات التي يجري العمل على مراجعتها وتطويرها.
وأشار شقير إلى وجود نحو 42 اتفاقية يعمل الجانب اللبناني على متابعتها، معربا عن أمله في تحقيق تقدم فيها تمهيدا للوصول إلى اتفاقات جديدة قبل نهاية العام.
الاختبار في مرحلة التنفيذ
ويرى ممثلو القطاع الخاص أن نجاح المنتدى لن يقاس بعدد التفاهمات التي يتم الإعلان عنها، وإنما بمدى القدرة على تنفيذها ومعالجة المشكلات التي تواجه الشركات والمستثمرين على الحدود وفي الأسواق.
وتوجد لجان مشتركة بين لبنان وسوريا يفترض أن تتابع الملفات العالقة، بما يشمل حركة البضائع والأشخاص والإجراءات الجمركية والاتفاقات التجارية، وهو ما يجعل مرحلة ما بعد المنتدى عاملا أساسيا في تحديد مدى تحقق النتائج المعلنة.
كما تتطلب زيادة الاستثمارات توفير بيئة أعمال أكثر وضوحا واستقرارا، خصوصا في ما يتعلق بالنقل والمعابر وإجراءات التخليص الجمركي والضرائب، إذ يمكن لهذه العوامل أن تؤثر مباشرة في تكاليف الشركات وقدرتها على المنافسة.
وبينما يطرح المنتدى مسارا جديدا للعلاقات الاقتصادية اللبنانية السورية، فإن تحويل هذا المسار إلى شراكات واستثمارات مستدامة سيظل مرتبطا بقدرة البلدين على معالجة العقبات العملية وبناء أطر مؤسسية تضمن استقرار حركة التجارة والاستثمار.





