لماذا لا تتدخل الصين عسكرياً لدعم إيران في الحرب الحالية؟

تدخل الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران منتصف أسبوعها الثاني، دون مؤشرات واضحة على قرب انتهائها. ورغم ما تبديه طهران من قدرة على الصمود وامتصاص الضربة الأولى، فإن ميزان القوى لا يزال يميل بشكل واضح لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، نظراً للفارق الكبير في القدرات العسكرية بين الطرفين.
هذا الواقع يثير تساؤلات حول حلفاء إيران المحتملين القادرين على تقديم دعم حاسم يمكن أن يغير مسار الحرب، وتبرز الصين عادة باعتبارها المرشح الأبرز القادر على مساعدة طهران سياسياً وربما عسكرياً.
مؤشرات أولية على دعم صيني
قبل ساعات من بدء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، نقل موقع “ميدل إيست آي” عن مسؤولين مطلعين أن الصين زودت إيران بأسلحة هجومية ودفاعية لتعزيز قدراتها العسكرية.
ووفقاً لهذه المصادر، أرسلت بكين طائرات مسيرة انتحارية وأنظمة دفاع جوي، كما زودت طهران ببطاريات صواريخ أرض–جو بعد حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025، التي شهدت قصف الولايات المتحدة ثلاثة مواقع نووية إيرانية.
لكن بعد اندلاع المواجهة واغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، جاء الموقف الصيني متحفظاً. فقد أدان وزير الخارجية الصيني وانغ يي الهجوم واعتبره انتهاكاً لسيادة إيران والأعراف الدولية، ووصف اغتيال خامنئي بأنه أمر غير مقبول، مؤكداً دعم بلاده لجهود طهران في حماية أمنها وسلامة أراضيها.
ومع ذلك، اقتصر الدعم الصيني على المواقف الدبلوماسية والدعوة إلى خفض التصعيد، دون إعلان أي مساعدة عسكرية مباشرة.
نهج صيني تقليدي في السياسة الخارجية
يتماشى هذا الموقف مع النهج التقليدي للصين في السياسة الخارجية، الذي يتجنب التحالفات العسكرية الرسمية ويرفض ما تسميه بكين “عقلية الكتلة” في العلاقات الدولية.
وخلال حرب الأيام الاثني عشر عام 2025، اتخذت الصين موقفاً مشابهاً، حيث اكتفت بانتقاد التحركات الأمريكية والإسرائيلية دون تقديم دعم عسكري مباشر لإيران.
ويرى مراقبون أن أي تدخل عسكري صيني لصالح طهران قد يعرض بكين لعقوبات أمريكية ويهدد مصالحها الاقتصادية، وهو ما يتعارض مع أولوياتها الإستراتيجية التي تركز على الاستقرار الاقتصادي الداخلي.
علاقات قوية ولكن غير متوازنة
رغم هذا التحفظ، تبدو العلاقة بين الصين وإيران في ظاهرها وثيقة. فقد وقع البلدان اتفاقية شراكة إستراتيجية شاملة لمدة 25 عاماً عام 2021، كما أصبحت الصين شرياناً اقتصادياً مهماً لطهران في ظل العقوبات الدولية.
وخلال العام الماضي، اشترت الصين أكثر من 80% من النفط الإيراني المصدر، وهو ما يمثل نحو 13.5% من إجمالي وارداتها النفطية البحرية.
كما ساهمت بكين في كسر العزلة السياسية عن إيران من خلال دعم انضمامها إلى مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون.
وتبلغ قيمة الواردات الإيرانية من الصين نحو 18 مليار دولار سنوياً، بينما تصدر إيران إلى الصين ما يقارب 14.5 مليار دولار من السلع، بحسب بيانات منظمة التجارة العالمية لعام 2024.
تعاون تقني وأمني
لم تقتصر العلاقات بين البلدين على الاقتصاد، بل امتدت إلى مجالات الأمن والتكنولوجيا. فالشركات الصينية ساهمت في تطوير بنية المراقبة داخل إيران، كما لعبت دوراً في تزويد صناعة الطائرات المسيرة الإيرانية بالتكنولوجيا والمعدات.
وقدمت بعض الشركات الصينية معدات وتدريباً تقنياً في مجال المراقبة، وهي تقنيات استخدمتها طهران لتعزيز سيطرتها الداخلية خلال فترات الاضطرابات.
اختلال في ميزان العلاقة
رغم ذلك، يظل هناك خلل واضح في العلاقة بين البلدين، إذ تحتاج إيران إلى الصين بدرجة أكبر بكثير مما تحتاج الصين إلى إيران.
فمنذ عام 2019 أصبحت الصين الوجهة الرئيسية للصادرات الإيرانية، كما تعد أكبر مصدر للواردات الإيرانية منذ عام 2014. في المقابل، لا تمثل إيران سوى أقل من 1% من إجمالي التجارة الخارجية الصينية.
كما أن العلاقات التجارية بين الصين ودول الخليج أكبر بكثير من تجارتها مع إيران. ففي عام 2024 بلغ حجم التجارة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي نحو 257 مليار دولار، بينما لم تتجاوز التجارة بين الصين وإيران 14 مليار دولار.
أولويات الصين الحقيقية
في ظل الحرب الحالية، تبدو أولويات الصين مرتبطة أساساً بحماية مصالحها الاقتصادية وأمن الطاقة.
ويمر نحو ثلث واردات الصين النفطية وربع وارداتها من الغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز، وهو ما يجعل استقرار الملاحة في المنطقة أمراً حيوياً بالنسبة لبكين.
ففي عام 2025 استوردت الصين 13.5% من نفطها من إيران، بينما حصلت على نحو 36.8% من احتياجاتها النفطية من منتجين خليجيين آخرين يعتمدون أيضاً على المضيق.
لذلك تسعى بكين أساساً إلى إنهاء الحرب وضمان استقرار إمدادات الطاقة، دون الانخراط العسكري المباشر في الصراع.
استراتيجية التحوط الصينية
ولتقليل المخاطر، عملت الصين خلال السنوات الماضية على بناء احتياطي ضخم من النفط، يقدر بنحو 1.1 مليار برميل، وهو ما يكفي لتغطية وارداتها لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر.
كما تنوع بكين مصادر الطاقة عبر تعزيز وارداتها من روسيا، التي تمثل حالياً نحو 20% من وارداتها النفطية.
وفي هذا السياق، يتوقع أن تعزز الصين استثماراتها في مشاريع الطاقة طويلة الأجل مثل مشروع “قوة سيبيريا 2″، وهو خط أنابيب مقترح بطول 2600 كيلومتر لنقل نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً من روسيا إلى الصين عبر منغوليا.
وفي المحصلة، تكشف الحرب الحالية أن العلاقة بين الصين وإيران، رغم أهميتها، لا تصل إلى مستوى التحالف العسكري الذي قد يدفع بكين إلى المخاطرة بمصالحها الاقتصادية أو الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.





