موسم الزيتون في رنتيس.. مزارعون فلسطينيون يواجهون الاعتداءات والحرمان من أراضيهم

عبر البوابة الحديدية الصفراء عند المدخل الشرقي لقرية رنتيس، غرب رام الله، توجه مزارعون فلسطينيون ومتضامنون أجانب إلى منطقة «خلة التين الشامي»، لمعايشة موسم قطف الزيتون، الذي تحول بالنسبة إلى الأهالي إلى معركة يومية للحفاظ على أراضيهم ومحاصيلهم.
ويمر الطريق إلى المنطقة عبر شارع 465 الالتفافي الاستيطاني، الذي أُقيم على حساب أراضي القرية وفصل أجزاء منها عن امتدادها الزراعي، ضمن شبكة من الطرق والبوابات التي تزيد صعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم وتضاعف المخاطر التي يواجهونها.
وتُعد «خلة التين الشامي» من أخصب أراضي رنتيس، إذ تمتد على نحو 4 آلاف دونم، معظمها مزروع بأشجار الزيتون. غير أن منع الأهالي من الوصول إليها بانتظام والعناية بها خلال السنوات الثلاث الماضية ترك آثارا واضحة، مع انتشار الأعشاب اليابسة بين الأشجار وتراجع العناية بالأرض.
ولم يمر يوم القطاف بهدوء، إذ اقتحم الجيش الإسرائيلي الأراضي وصادر محصولا جمعه مزارعون، قبل أن يطرد آخرين ويمنعهم من مواصلة العمل، في مشهد يعكس الصعوبات التي يواجهها الفلسطينيون خلال موسم الزيتون.
الزيتون الذي ساعد في تعليم الأبناء
في منطقة «خلة التين الشامي»، بدأ تيسير الشيخ زراعة أرضه بأشجار الزيتون عام 1985، وواصل توسيعها تدريجيا حتى بلغت مساحتها نحو 25 دونما.
ويقول الشيخ إن الأرض كانت مصدر دخل أساسيا لعائلته إلى جانب راتبه من التدريس، مستذكرا موسما جيدا قبل نحو عامين أنتج فيه قرابة 40 تنكة من زيت الزيتون، تبلغ سعة الواحدة منها نحو 16 كيلوغراما.
ويضيف أن عائد المحصول ساعده في دفع تكاليف تعليم أبنائه وبناته، موضحا أن راتبه وحده لم يكن كافيا لتغطية تلك المصاريف، وأن الزيتون أسهم في تأمين احتياجات الأسرة.
لكن علاقة الشيخ بأرضه تغيرت خلال العامين الأخيرين، مع تصاعد اعتداءات المستوطنين وتزايد صعوبة الوصول إلى الأشجار والعناية بها.
ويستعيد إحدى محاولاته الأخيرة للقطاف، قائلا إن العائلة تمكنت من العمل نحو ساعتين، قبل أن يعود مستوطنون في اليوم التالي ويعتدوا عليهم ويمنعوهم من استكمال جمع المحصول.
اعتداءات تطال المزارعين ومعدات القطاف
ويقول الشيخ إن أحد المستوطنين ادعى ملكية أشجار الزيتون، رغم أنه زرعها بنفسه بعد دراسته الزراعة في معهد خضوري بطولكرم.
ويضيف أن المواجهة تطورت عندما أكد للمستوطن أنه صاحب الأشجار، إذ اقترب منه وهو يحمل سلاحا وبدأ بدفعه وضربه، بحسب روايته.
كما يشير إلى استيلاء المستوطنين على الزيتون الذي جمعته العائلة، إلى جانب بعض معدات القطاف والسلالم، قبل إجبار أفرادها على مغادرة الأرض.
ولا تقتصر خسائر الشيخ على المحصول الذي يفقده خلال الموسم، بل تمتد إلى تراجع الأشجار نفسها نتيجة تعذر حراثتها والاهتمام بها.
ويقول إن أشجار الزيتون تحتاج إلى وجود أصحابها والعناية المستمرة بها، محذرا من أن إهمالها يضعفها ويقلل إنتاجها، بعدما كانت تمنح العائلة محصولا أفضل في السنوات السابقة.
ويؤكد أن الأرض لم تُصادر رسميا، لكن مستوطنا أقام سياجا في أجزاء منها وبدأ بمنع الأهالي من الوصول إليها، ما جعل ملكيتهم للأرض غير كافية لضمان قدرتهم على استغلالها.
الوصول إلى «خلة الرقيق» سيرا على الأقدام
في اليوم التالي، ازدادت صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية، إذ توجه سلامة إسماعيل وأفراد من عائلته، برفقة متضامنين أجانب، إلى أرضهم في منطقة «خلة الرقيق» سيرا على الأقدام.
وتجنب المزارعون استخدام السيارات خشية لفت انتباه المستوطن الموجود على الجبل المطل على المنطقة، الذي يراقب تحركاتهم، وفق ما أورده التقرير.
ورافق فريق الجزيرة نت المزارعين من دون حمل معدات السلامة الصحفية أو ارتداء ملابس تكشف هويتهم المهنية، حرصا على سلامتهم وتجنبا لجذب الانتباه.
وبعد الوصول إلى الأرض، بدأ المتضامنون بمساعدة العائلة في قطف الزيتون، بينما ظهرت طائرة مسيّرة في الأجواء وواصلت التحليق فوق المزارعين والمتضامنين ومراقبة تحركاتهم.
وخلال هذه التحركات، أوقف متضامنون أجانب واعتُقل اثنان منهم في القرية، وفق ما وثقه التقرير أثناء مشاركتهم الفلسطينيين في موسم القطاف.
620 شجرة زيتون تواجه خطر الإهمال
تبلغ مساحة أرض سلامة إسماعيل، البالغ من العمر 70 عاما، نحو 25 دونما، وتضم قرابة 620 شجرة زيتون. وبدأت عائلته زراعة الأرض عام 1996، ولم تقتصر أنشطتها الزراعية على الزيتون، بل شملت أيضا البصل والبامية والبطاطا ومحاصيل أخرى، إلى جانب البرتقال والعنب.
ويستعيد إسماعيل السنوات التي كانت العائلة تقضي خلالها وقتا طويلا في الأرض، حيث كان أفرادها يزرعون المحاصيل ويتناولون الطعام ويشربون معا، في إطار حياة زراعية ارتبطت بالأرض ومواسمها.
لكن هذه الحياة تغيرت مع تصاعد المضايقات والاعتداءات، إذ يقول إن أفراد العائلة باتوا يتعرضون للطرد عند وصولهم إلى أرضهم، ويضطرون إلى الفرار من المستوطنين الذين يلاحقونهم نحو الجبل مستخدمين الكلاب، بحسب شهادته.
وتكشف تجربة المزارعين في رنتيس أن آثار الاعتداءات لا تتوقف عند مصادرة المحاصيل أو منع القطاف، بل تمتد إلى تعطيل النشاط الزراعي وإضعاف الأشجار وتهديد مصدر رزق عائلات اعتمدت على الزيتون لعقود.
وبين البوابات الحديدية والطرق الالتفافية ومخاوف الملاحقة، يحاول المزارعون الفلسطينيون الحفاظ على ارتباطهم بأراضيهم ومواصلة موسم القطاف، رغم ما يواجهونه من قيود ومخاطر.





