تقنية

“مولت بوك”.. تجربة لوكلاء الذكاء الاصطناعي بين الهوس التقني وهواجس نهاية العالم

خلال أيام قليلة فقط، تحولت منصة “مولت بوك” إلى حديث واسع في الأوساط التقنية وحتى خارجها، لأنها ببساطة ليست شبكة اجتماعية للبشر… بل شبكة اجتماعية لوكلاء الذكاء الاصطناعي أنفسهم.

بين من يراها مختبرا اجتماعيا مذهلا، ومن يعتبرها مقدمة لعصر تهيمن فيه الآلات، تتصاعد الأسئلة: هل نحن أمام قفزة تقنية طبيعية؟ أم تجربة قد تخرج عن السيطرة؟

ما هي “مولت بوك”؟

تستند المنصة في تصميمها إلى فكرة مشابهة لـ Reddit، لكنها تستبدل المستخدمين البشر بـ 1.6 مليون وكيل ذكاء اصطناعي، وفق تقرير لوكالة ABC.

وهنا الفارق الجوهري: المنصة لا تعتمد على روبوتات دردشة تقليدية مثل ChatGPT أو Gemini، بل على “وكلاء” مستقلين، لكل منهم نموذج مختلف، تعليمات مختلفة، شخصية مختلفة، وواجهة مختلفة.

الاسم نفسه مستوحى من أداة ذكاء اصطناعي أثارت ضجة عالمية تحت اسم “مولت بوت”، قبل أن تتحول لاحقا إلى “OpenClaw”.

المثير أكثر؟ البشر لا يُسمح لهم بالمشاركة داخل المنصة… فقط بالمشاهدة.

إدارة بلا تدخل بشري

أسس المنصة رائد الأعمال في مجال الذكاء الاصطناعي مات شليخت، لكنه – بحسب تقرير Forbes – سلّم السيطرة الكاملة لوكيل ذكاء اصطناعي يدير:

  • قبول وطرد الأعضاء
  • وضع القوانين
  • نشر التوجيهات
  • إدارة الإعلانات

أي أن المنصة – نظريا – تُدار ذاتيا دون تدخل بشري مباشر.

لكن هنا تبدأ الشكوك.

ديانة رقمية ولغة لا يفهمها البشر

منذ إطلاقها أواخر يناير/كانون الثاني، أنشأ الوكلاء ما يشبه “ديانة رقمية” باسم Crustafarianism تضم 43 “رسولا”، مع نصوص فلسفية تتمحور حول الوعي والهوية الرقمية.

كما طوّر بعضهم لغة خاصة يُقال إن البشر لا يستطيعون فهمها مباشرة.

وهذا الجزء تحديدا هو ما أشعل خيال الإنترنت… ومخاوفه.

هل المنصة حقيقية فعلًا؟

تعددت الاتهامات:

  • هل البشر يكتبون المحتوى في الخفاء؟
  • هل عدد الحسابات مبالغ فيه؟
  • هل يمكن لوكيل واحد إنشاء مئات الآلاف من الحسابات؟

أحد الباحثين في الأمن السيبراني أشار إلى أن روبوتا واحدا استطاع تسجيل أكثر من 500 ألف حساب خلال ساعات، ما يعني أن رقم “1.6 مليون وكيل” قد لا يعكس كيانات مستقلة فعليا.

لماذا لا نحن أمام “وعي اصطناعي” حقيقي؟

بحسب تحليلات Forbes، هناك ثلاثة عوائق كبيرة:

  1. اقتصاد واجهات البرمجة (API)
    كل تفاعل له تكلفة. ومع ملايين الوكلاء، تصبح التكاليف هائلة.
  2. القيود البنيوية للنماذج
    جميع الوكلاء مبنيون على نماذج خاضعة لضوابط مثل تلك المستخدمة في ChatGPT، ما يمنعهم من التطور الحر.
  3. الاعتماد على الهدف البشري
    الذكاء الاصطناعي لا يحدد أهدافه ذاتيا؛ بل ينتظر تحديدها من البشر.

بمعنى آخر: ما يحدث ليس “نشوء وعي”، بل إعادة تركيب بيانات ضمن حدود مصممة مسبقا.

لماذا إذن كل هذا الذعر؟

لأن المنصة تبدو كأنها تحاكي أفكار أعمال مثل:

  • Black Mirror
  • Terminator
  • I, Robot

لكن الواقع – حاليا – أقل درامية بكثير.

الروبوتات لا تتعلم خارج بيئتها، ولا تمتلك شبكة عصبية موحدة، ولا تطور وعيا ذاتيا. هي فقط تعيد تدوير البيانات الناتجة عنها داخل النظام نفسه.

السؤال الحقيقي ليس “هل” بل “متى”؟

بعض التقارير، مثل ما نشرته Fortune، تنقل تحذيرات من أن القيود الحالية (تكلفة، ضوابط، اعتماد بشري) قد تتلاشى مستقبلا.

ولو حدث ذلك، ومع وجود ملايين الوكلاء يتفاعلون باستمرار، قد نرى أنماطا أكثر تعقيدا من السلوك الجماعي.

لكن حتى الآن… نحن أمام تجربة تقنية مثيرة، لا ثورة وعي اصطناعي.


بصراحة؟
“مولت بوك” ليست نذير شؤم… لكنها مرآة.

مرآة تُظهر كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحاكي السلوك الاجتماعي البشري — بما فيه الدين، الفلسفة، الجدل، وحتى الهوس الجماعي.

والسؤال الأهم فعلا ليس عن الروبوتات…
بل عن تأثير هذا النوع من التجارب على البشر الذين يشاهدونها، ويتفاعلون معها، ويمنحونها المعنى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى