مقابر إينداغي الصخرية.. شاهد تاريخي يربط الطبيعة الجبلية بإرث الحضارات شمالي تركيا

على الطريق الرابط بين ولايتي قاسطمونو وتشانقيري شمالي تركيا، يبرز موقع مقابر إينداغي الصخرية كأحد أبرز المعالم الأثرية التي تلفت الأنظار، حيث تمتزج الطبيعة الجبلية الوعرة بتاريخ طويل من الاستيطان البشري والطقوس الدينية، في مشهد يجذب عشاق الآثار والسياحة الثقافية ومحبي الطبيعة.
ويقع الموقع ضمن حدود قرية إينكوي التابعة لقضاء إيلغاز في تشانقيري، ويُصنّف منطقة أثرية من الدرجة الأولى، لما يحتويه من معالم منحوتة في الصخور تعود جذورها إلى العصر الهلنستي، واستمر استخدامها وتطويرها خلال فترات لاحقة، خاصة في مرحلة المسيحية المبكرة.
ويضم الموقع كهوفا محفورة يدويا، ومقابر صخرية، وكنائس صغيرة، إلى جانب مبان تاريخية يُعتقد أنها استُخدمت للعبادة أو للإقامة المؤقتة، ما يعكس أهمية المكان الدينية والاجتماعية عبر العصور.
ويتميز إينداغي بموقعه الجغرافي الاستراتيجي عند تقاطع طرق تاريخية مهمة، من بينها الطريق الرابط بين تشانقيري وقاسطمونو، إضافة إلى قربه من محور إسطنبول – صامسون، الأمر الذي جعله محطة عبور للقوافل التجارية ونقطة استراحة وتأمين للمسافرين على مر القرون.
وفي هذا السياق، يؤكد مدير الثقافة والسياحة بولاية تشانقيري محرم أوجاقلي أن المنطقة شهدت استيطانا بشريا متواصلا منذ العصر النحاسي، وتعاقبت عليها حضارات متعددة تركت بصماتها الواضحة في معالم الموقع.
ويشير إلى أن مقابر إينداغي الصخرية أُنشئت في الأساس لتوفير الحماية للقوافل التجارية التي كانت تعبر المنطقة، في ظل ما كانت تتعرض له الطرق آنذاك من عمليات سلب ونهب، لافتا إلى أن الموقع يضم مرافق متنوعة تشمل مقابر لكبار الشخصيات، وأماكن عبادة فردية، وأقسام للإقامة المؤقتة.
وتدل الشواهد الأثرية، بحسب أوجاقلي، على أن الموقع استُخدم بشكل نشط خلال فترة المسيحية المبكرة، خاصة في القرنين الرابع والخامس الميلاديين، حين كانت ممارسة الشعائر الدينية تتم في أماكن معزولة وسرية، نتيجة حظر المسيحية في تلك المرحلة، مع تأكيده أن جذور الموقع تعود إلى ما قبل ذلك، وصولا إلى العصر الهلنستي.
ويوضح أن الكهوف والمقابر في إينداغي ليست تشكيلات طبيعية، بل نُحتت بالكامل بيد الإنسان في صخور بركانية من نوع “التوف”، وهي مادة سهلة النحت نسبيا لكنها تتطلب مهارة عالية للحفاظ على تماسكها.
ورغم تعرض الموقع لبعض الأضرار في فترات سابقة، فإنه لا يزال يحتفظ بجزء كبير من معالمه الأصلية، ما جعله مقصدا متزايدا للزوار، خاصة مع بدء أعمال التوثيق والدراسة منذ مطلع الألفية الجديدة.
كما تكتسب المنطقة أهمية وطنية إضافية، لوقوعها على مسار الطريق الذي سلكته القوات المسلحة التركية خلال حرب الاستقلال بين عامي 1919 و1923، الأمر الذي جعلها محطة مفضلة لهواة المشي الطويل والرحلات الجبلية.
من جانبه، يصف الزائر ظفر أوزكان الموقع بأنه وجهة مثيرة للاهتمام من حيث الطبيعة والإطلالة البانورامية، مشيرا إلى أن الوصول إلى بعض أجزائه المرتفعة يتطلب جهدا بدنيا، ومؤكدا أن تحسين البنية التحتية ووسائل الوصول قد يحوّل إينداغي إلى وجهة سياحية متكاملة تجمع بين التاريخ والمناظر الطبيعية الخلابة.
ومع تزايد الاهتمام بالمواقع الأثرية غير المعروفة على نطاق واسع، يُنظر إلى مقابر إينداغي الصخرية بوصفها كنزا تاريخيا وسياحيا واعدا، قادرا على الإسهام في تنشيط السياحة الثقافية والريفية في ولاية تشانقيري، شريطة توفير الحماية اللازمة وخطط تطوير تحافظ على طابعه الأثري الفريد.





