أيتها القُبّرة رواية الحبيب السالمي وهمس الذاكرة على حافة الغربة

في عالم يتسارع بإيقاع الحداثة وضجيجها، يقدّم الكاتب التونسي الحبيب السالمي في روايته الجديدة «أيتها القُبّرة»، الصادرة حديثًا عن دار الآداب في بيروت، تجربة سردية هادئة تتأسس على الهمس لا الصخب، وعلى التأمل الإنساني العميق بدل الحبكات المتشابكة.
لا تنشغل الرواية بإثارة الأحداث أو تعقيدها، بل تتوغّل في الداخل الإنساني، حيث يقف الفرد وحيدًا أمام ذاكرته وهويته، متأملًا غربته في عالم جديد لا يمنحه اكتمال الانتماء. هنا، تصبح التفاصيل الصغيرة مدخلًا لأسئلة كبرى عن الزمن والفقد والشيخوخة.
تدور أحداث الرواية حول محمد منصور، مهاجر تونسي يعيش في باريس، يجد نفسه بعد وفاة زوجته الفرنسية دومينيك مسؤولًا عن رعاية حماته المسنّة جوسلين في قرية فرنسية نائية. ومع تطوّر العلاقة بينهما، تتحوّل الرعاية من واجب أخلاقي إلى مساحة إنسانية عميقة، تتقاطع فيها الذاكرة بالوحدة، والثقافة العربية بالفرنسية، والحاضر بالماضي.
وتحضر القُبّرة بوصفها رمزًا مركزيًا في الرواية، طائرًا هشًا لكنه قادر على الغناء والتحليق، لتغدو استعارة للإنسان المهاجر الذي يواصل البحث عن صوته وسط صراع الانتماءات. ومن خلال هذا الرمز، يلامس السالمي جوهر الوجود الإنساني: الغناء رغم الوعي الحاد بالفناء.
يبني السالمي عالمه السردي على ثلاث شخصيات نسائية تشكّل عمود الرواية العاطفي والرمزي: الأم منوبية بوصفها الجذر الأول والذاكرة، الزوجة الراحلة دومينيك باعتبارها ذروة الحب العابر بين ثقافتين، والحماة جوسلين التي تمثل الشيخوخة ونهاية المسار. وبهذه الثلاثية، يرسم الكاتب مثلثًا وجوديًا تتحرك داخله أسئلة الحياة والموت والهوية.
وتضع «أيتها القُبّرة» صاحبها في حوار أدبي غير مباشر مع تجارب عالمية بارزة، لا سيما باتريك موديانو في اشتغاله على الذاكرة والهوية الناقصة، وياسوناري كواباتا في عنايته بالصمت والهشاشة والجمال العابر، مع احتفاظ السالمي بنبرته المغاربية الخاصة.
في النهاية، لا تسعى الرواية إلى تقديم إجابات جاهزة، بل تكتفي بفتح الأسئلة وتركها معلّقة. إنها رواية عن الاقتراب من النهاية أكثر من الموت ذاته، وعن المنفى بوصفه حالة داخلية، وعن الغناء كفعل مقاومة أخير في مواجهة الفناء.





