دولية

فضيحة إبستين: حين تهتز أخلاقيات الحداثة وتنكشف سردية الغرب

حين تنفجر جريمة بحجم قضية جيفري إبستين، بعد الإفراج عن ملايين الوثائق السرية المرتبطة بها، فإنها لا تعود شأنا يخص شخصا واحدا بقدر ما تتحول إلى مرآة تعكس اختلالات أعمق داخل منظومة كاملة. فالقضية تمتد إلى شبكات نفوذ داخل مؤسسات علمية وسياسية وثقافية، بل وتطال دوائر ملكية أوروبية، بما يطرح أسئلة تتجاوز الجريمة ذاتها إلى طبيعة الأخلاق التي تحكم الحضارة الغربية المعاصرة.

وتفتح هذه الفضيحة باب الشك حول ما إذا كان ما تكشف هو الوجه الخفي لمنظومة طالما قدمت نفسها باعتبارها حامية القيم والشفافية، أم أننا أمام تحول تاريخي يعيد تعريف الأخلاق ذاتها. فاستمرار مئات الجرائم لسنوات طويلة أمام أعين أجهزة رقابية وقضائية، دون مساءلة حقيقية، يضع موضع تساؤل جوهر النظام الأخلاقي الذي يفاخر به الغرب.

منذ نشأة المشروع الحداثي، قدم الغرب نفسه بوصفه مشروعا أخلاقيا قبل أن يكون تقنيا. فقد جعل من الإنسان مركز القيمة، واستند إلى أفكار جون لوك حول الحقوق الطبيعية، وإلى فلسفة إيمانويل كانط التي ربطت الأخلاق بكرامة الإنسان، وإلى دفاع جون ستيوارت ميل عن الحرية باعتبارها شرطا لازدهار الحقيقة. ومن هذه الخلفية، تشكلت سردية أخلاقية تعد بسيادة القانون والقدرة على تصحيح الأخطاء من الداخل.

غير أن هذا الوعد بدأ يتآكل مع تحولات القرن العشرين، من الحروب العالمية إلى صعود الأنظمة الشمولية، ثم إلى هيمنة منطق القوة والمال في ظل النيوليبرالية. ومع تصاعد نفوذ رأس المال، تراجعت قدرة القيم على لعب دورها النقدي، وأصبحت في كثير من الأحيان أدوات لتجميل السلطة بدل محاسبتها.

وتبرز هنا إشكالية تحالف المال والمعرفة، حيث تحولت مؤسسات العلم والبحث إلى مصادر شرعية أخلاقية، في الوقت الذي بات فيه التمويل وسيلة لاكتساب النفوذ تحت غطاء إنساني وأخلاقي. وكما أشار بيير بورديو، فإن رأس المال الرمزي قادر على تحويل الهيمنة إلى قبول، وهو ما يفسر كيف يمكن للانتهاكات أن تمر بصمت داخل منظومة تتقن لغة القيم.

الصدمة التي أحدثتها قضية إبستين لم تكن أخلاقية فحسب، بل سردية أيضا. إذ وجد جمهور واسع نفسه أمام وقائع لا تنسجم مع القصة التي تربى عليها عن عالم تحكمه مؤسسات عادلة وشفافة. ومع تكرار مثل هذه الوقائع، تآكلت الثقة في السردية ذاتها، وتحول الشك من رد فعل عابر إلى موقف ثقافي دائم.

وقد حذر فلاسفة كزيغمونت باومان وحنة آرندت من هذا المسار، حيث تفقد القيم معناها النقدي وتتحول إلى شعارات إجرائية، بينما تتآكل الثقة في العدالة بوصفها يقينا أخلاقيا. وفي هذا السياق، لا تبدو فضيحة إبستين حادثا معزولا، بل لحظة كشف ثقافي عميق.

تلتقي هذه القراءة مع نقد فلاسفة مدرسة فرانكفورت، مثل هوركهايمر وأدورنو، الذين رأوا أن العقل الأداتي قد يحول التنوير نفسه إلى أداة للسيطرة. كما وسع ميشيل فوكو هذا النقد حين أوضح أن السلطة الحديثة تعمل عبر خطاب إنساني ظاهري يخفي تناقضاته بدل أن يحلها.

وعليه، لا يمكن قراءة فضيحة إبستين كخرق طارئ لمنظومة أخلاقية متماسكة، بل كأحد أعراض أزمة أعمق في مشروع الحداثة ذاته، حيث باتت القيم في كثير من الأحيان في خدمة المال والنفوذ. ومن هنا، يفرض السؤال نفسه: هل ما زالت الحداثة قادرة على تصحيح ذاتها، أم أنها أصبحت جزءا من الأزمة التي تحتاج إلى مراجعة جذرية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى