ثقافة

“أصل الأنواع”.. حين تتحول المدينة إلى مختبر لفقدان الإنسان

تفاجئك رواية أصل الأنواع منذ عتبتها الأولى؛ فبياض صفحاتها ليس فراغًا محايدًا، بل جزء من لعبتها الجمالية. تمضي في نص بلا ترقيم تقريبًا، بلا فواصل ولا نقاط، كأنك تسير في حقل لغوي منزلق، يرهقك بصريًا ويختبر صبرك، قبل أن يدمجك في إيقاعه القاسي. هذا الخيار الشكلي ليس نزوة تجريبية، بل تكتيك سردي يضع القارئ داخل التجربة ذاتها: تجربة الانسياب القهري في عالم يتداعى بلا توقف.

الرواية، التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، تكشف منذ بدايتها أن صاحبها الروائي المصري أحمد عبد اللطيف لا يراهن على حبكة تقليدية، بل على بناء نص أقرب إلى مختبر سردي تُفحص فيه العلاقة بين الجسد والمدينة، بين السلطة واللغة، وبين الفقد بوصفه تجربة شخصية وجماعية في آن.

عنوان العمل يحيل بوضوح إلى كتاب أصل الأنواع لـتشارلز داروين، غير أن الإحالة هنا ليست علمية بقدر ما هي استعارة ثقافية كبرى. فالتطور في الرواية لا يعني التقدم، بل إعادة ترتيب الخسارات؛ لا يعني الارتقاء، بل استبدال الإنسان بوظائفه، وذاكرته بإدارته.

الإهداء بوصفه مفتاحًا تأويليًا

منذ الإهداء: “إلى موتاي.. لأنكم أحياء في قلبي”، تتضح فلسفة النص. فالموتى في الرواية ليسوا غيابًا، بل حضورًا مقلقًا، يزاحمون الأحياء في مدينتهم. هدم المقابر وتجريف الشواهد ليس مجرد مشروع عمراني، بل محاولة لاقتلاع ذاكرة ترفض الانقراض. ويتعزز هذا التصور عبر استدعاء أسماء مثل الجاحظ وداروين، لا بوصفهما مرجعين معرفيين، بل شاهدين على صراع وجودي دائم.

أصل الحكاية.. جسد يتجرف ومدينة تُستأصل

تدور الرواية حول “رام”، مهندس مدني في الأربعينيات، يعمل في مشاريع “تطوير” القاهرة، حيث تُهدم المقابر التاريخية لصالح طرق حديثة. بالتوازي مع هذا التجريف العمراني، يتعرض جسده لتحول غريب: يسقط شعره فجأة، ويصبح أملس تمامًا. لاحقًا، يفقد البشر في هذا العالم أصابعهم وأطرافهم ورغباتهم، في استعارة فادحة لتآكل المعنى.

القاهرة هنا ليست مجرد خلفية، بل كائن يُجرى عليه استئصال بلا تخدير. تتحول المدينة إلى مساحة رمادية فاقدة للنكهة، تخرج منها الأشباح بظهورها إلى الشوارع، في إشارة إلى تاريخ يرفض الإلغاء. وفي المشهد الختامي، يُصلب رام عاريًا في “مدينة الموتى”، بينما يرى الناس في عينيه صورة القاهرة القديمة، وكأن الجسد أصبح المستودع الأخير لذاكرة أُزيلت من الواقع.

الجسد والمدينة.. من الكينونة إلى المخطط

الجسد في الرواية ليس معطى بيولوجيًا، بل ساحة تتجسد فيها علاقات القوة. سقوط الشعر، اختفاء الأصابع، تشوه القدمين، كلها علامات على انسحاب المعنى من كيان يُدار بمنطق الإزالة لا الرعاية. والمدينة بدورها تفقد وظائفها الإنسانية الأساسية لتتحول إلى مخطط إداري بلا قلب أو رحم أو نهر.

بهذا المعنى، يتقاطع الخاص والعام: ما يحدث لرام ليس إلا صورة مكثفة لما يحدث للقاهرة. الفرد يُجزّأ كما تُجزّأ المدينة، ويُعاد تعريفه بوصفه وظيفة قابلة للاستبدال.

الحب في زمن الإزالة

لا تخلو الرواية من خيط رومانسي جنائزي يربط الحب بالموت. علاقة رام بنيفين (الميتة) ومريم (الحية) تكشف تداخل الصور حتى يتعذر التمييز بين الحي والميت. الحب هنا ليس خلاصًا، بل شكل آخر من أشكال الفقد، إذ يتحول المحبوب إلى جزء من ذاكرة مهدمة، في عالم لا يسمح للعاطفة بالاستقرار.

البنية.. شذرات الانهيار

تعتمد الرواية بنية تقوم على التوازي لا التصاعد. الفصول تبدو مستقلة، لكنها تتجاور لتصنع أرشيفًا للفقد. لا توجد ذروة بالمعنى التقليدي، لأن الانهيار حالة مستمرة لا لحظة مفردة.

الرموز كثيفة: الشعر علامة على الهوية، الأصابع رمز للكرامة والفاعلية، المقابر ذاكرة جمعية مرفوضة، والملعب وهم خلاص جماعي. غير أن هذه الرموز لا تقدم عزاءً، بل تعمّق القلق، وكأن النص يؤكد أن الرمز ذاته لم يعد قادرًا على إنقاذ المعنى.

جمالية غياب الترقيم

الغياب شبه الكامل لعلامات الترقيم يحول النص إلى جسد بلا مفاصل، في انسجام مع ثيمة تلاشي الأعضاء. القارئ يُدفع إلى تيار لغوي متصل، لا يمنحه فرصة للراحة. غير أن هذه السيولة الداخلية تصطدم ببنية خارجية صارمة؛ فالفصول تحمل عناوين ذات حمولة طقسية مثل “الجمعة العظيمة” و”سبت النور”، في مفارقة بين الفوضى الداخلية والنظام الخارجي.

هذا التلاعب بين حضور الترقيم في العناوين وغيابه في المتن يضع الإنسان في برزخ بين خطة هندسية صارمة وواقع يتداعى خارج السيطرة، ليصبح الأدب مساحة أخيرة لمقاومة الخراب المنظم.

خاتمة.. تشريح لإنسان ما بعد المعنى

تضع الرواية قارئها أمام سؤال حاد: هل ما نعيشه تطور فعلي، أم إدارة ذكية للخسارات؟ هي لا تهاجم الحداثة كشعار، بل تفكك خطابها حين ينفصل التطوير عن العدالة، والعمران عن الذاكرة، والكفاءة التقنية عن الجوهر الإنساني.

نحن أمام عمل يستشرف ملامح “إنسان ما بعد المعنى”، كائن لا يُقمع صراحة، بل يُدار ويُستنزف، ولا يُمنع من الكلام، بل تُسحب منه اللغة تدريجيًا. وبهذا، تؤكد الرواية أن الأدب، وإن لم ينقذ العالم، قادر على منعنا من التواطؤ الصامت مع الخراب.

في المحصلة، تقدم “أصل الأنواع” رصدًا ثقافيًا لعملية محو ممنهج تطال الإنسان والمدينة معًا، مستخدمة لغة هندسية جافة لوصف مشاعر بالغة التعقيد. إنها صرخة في وجه تحديث بارد يعيد هندسة المدن، ويعيد معها هندسة أرواح ساكنيها، حتى يغدو الإنسان كائنًا بلا أطراف، في مدينة بلا ذاكرة، لا يربطه بواقعه سوى خيط شفاف من الأشباح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى