الأجهزة المنزلية الذكية قد تتحول إلى أدوات في هجمات إلكترونية دون علم أصحابها

أصبحت الأجهزة المنزلية الذكية المتصلة بالإنترنت، مثل كاميرات المراقبة وأجهزة التوجيه (الراوتر) والتلفزيونات الذكية وأجهزة البث وإطارات الصور الرقمية، هدفًا متزايدًا للقراصنة الإلكترونيين، الذين يستغلونها لتنفيذ هجمات واسعة النطاق دون علم مستخدميها.
وكشف تحقيق أجرته صحيفة وول ستريت جورنال أن بعض الأجهزة الذكية منخفضة التكلفة قد تصل إلى الأسواق وهي مزودة ببرمجيات خفية أو إعدادات أمنية ضعيفة تسمح للمهاجمين بتحويلها إلى جزء من شبكات إجرامية تُعرف باسم “البوت نت” (Botnets)، والتي تُستخدم لتنفيذ هجمات إلكترونية ضخمة أو إخفاء هوية المهاجمين عبر تمرير حركة الإنترنت من خلالها.
ما هي شبكات البوت نت؟
البوت نت هي مجموعة من الأجهزة المتصلة بالإنترنت التي يتم اختراقها والتحكم بها عن بُعد من خلال خوادم مخصصة لإدارة الهجمات. وتشمل هذه الشبكات أجهزة إنترنت الأشياء مثل الكاميرات الذكية، وأجهزة الراوتر، وأنظمة التخزين الشبكي، إضافة إلى الحواسيب والهواتف.
ويعتمد القراصنة على العدد الكبير من الأجهزة المصابة بدلاً من قوة كل جهاز على حدة، إذ يمكن لمئات الآلاف أو حتى ملايين الأجهزة إرسال طلبات متزامنة إلى هدف واحد، مما يمنح المهاجمين قدرة هائلة على تنفيذ هجمات إلكترونية واسعة.
لماذا تُعد الأجهزة المنزلية هدفًا سهلاً؟
يرجع ذلك إلى أن العديد من أجهزة إنترنت الأشياء تُطرح في الأسواق بإعدادات أمنية ضعيفة، مثل كلمات المرور الافتراضية، كما أن بعض الشركات تتوقف عن توفير تحديثات أمنية بعد فترة قصيرة من إطلاق المنتج.
وأظهرت دراسة منشورة على منصة arXiv أن ثلاثة أرباع الأجهزة التي خضعت للاختبار كانت معرضة للإصابة ببرمجية Mirai الشهيرة بمجرد تشغيلها بالإعدادات الافتراضية، وهو ما يعكس هشاشة الحماية في عدد كبير من الأجهزة التجارية.
كما كشفت شركة Black Lotus Labs التابعة لـ Lumen Technologies عن حملات إلكترونية استهدفت أجهزة راوتر وأجهزة إنترنت الأشياء التي انتهى دعمها الأمني، ونجحت في ضم عشرات الآلاف منها إلى شبكات اختراق منتشرة حول العالم.
من “ميراي” إلى أجيال أكثر تطورًا
تُعد برمجية Mirai من أشهر الأمثلة على استغلال الأجهزة المنزلية في الهجمات الإلكترونية، بعدما أصابت عام 2016 مئات الآلاف من الكاميرات وأجهزة التوجيه، واستخدمتها لتنفيذ واحدة من أكبر هجمات حجب الخدمة الموزعة (DDoS)، مما أدى إلى تعطيل خدمات إنترنت كبرى.
ورغم مرور سنوات على ظهورها، فإن تسريب الشيفرة المصدرية للبرمجية أدى إلى ظهور عشرات النسخ المطورة التي تستغل ثغرات جديدة وتستهدف أنواعًا مختلفة من أجهزة إنترنت الأشياء، لتصبح شبكات البوت نت أكثر تطورًا وتعقيدًا.
كيف تتحول الأجهزة إلى “جيش إلكتروني”؟
عند سيطرة المهاجمين على أعداد كبيرة من الأجهزة، يمكنهم إصدار أوامر موحدة لها لإغراق موقع إلكتروني أو خدمة رقمية بكميات هائلة من الطلبات، وهو ما يؤدي إلى تعطيلها عبر هجمات حجب الخدمة الموزعة.
ولا يقتصر استخدام هذه الشبكات على الهجمات الإلكترونية، بل تُستخدم أيضًا كشبكات بروكسي سكنية، حيث يتم تمرير حركة الإنترنت عبر الأجهزة المنزلية المخترقة لإخفاء هوية القراصنة، أو تنفيذ عمليات احتيال إلكتروني، أو تجاوز أنظمة الحماية التي تعتمد على الموقع الجغرافي أو عنوان الإنترنت.
تهديد يتجاوز المستخدمين إلى البنية التحتية
أصبحت شبكات البوت نت تمثل تهديدًا للبنية التحتية الرقمية أيضًا. ففي عام 2024، أعلنت السلطات الأمريكية تفكيك شبكة Raptor Train، التي ضمت أكثر من 260 ألف جهاز من الكاميرات وأجهزة الراوتر وأنظمة التخزين الشبكي، وكانت تُستخدم في عمليات مرتبطة بجهات مدعومة من الصين، وفق ما أوردته وول ستريت جورنال.
لكن خبراء الأمن السيبراني يحذرون من أن تفكيك شبكة واحدة لا يعني انتهاء التهديد، إذ غالبًا ما تُعاد السيطرة على الأجهزة نفسها من قبل مجموعات أخرى، لتصبح جزءًا من شبكات جديدة قادرة على تنفيذ هجمات أكثر تعقيدًا وخطورة.
كيف تحمي أجهزتك المنزلية؟
يوصي خبراء الأمن السيبراني باتباع مجموعة من الإجراءات للحد من خطر اختراق أجهزة إنترنت الأشياء، أبرزها:
- تغيير كلمات المرور الافتراضية فور تشغيل الجهاز.
- تثبيت تحديثات البرامج الثابتة (Firmware) بشكل منتظم.
- شراء الأجهزة من شركات توفر دعمًا أمنيًا طويل الأمد.
- فصل أجهزة إنترنت الأشياء في شبكة مستقلة عن الحواسيب والهواتف عند الإمكان.
- مراقبة حركة الشبكة المنزلية لاكتشاف أي نشاط غير طبيعي.
ويؤكد المختصون أن الأجهزة الذكية لم تعد مجرد أدوات منزلية، بل أصبحت جزءًا من منظومة الإنترنت العالمية، وأن ضعف حمايتها قد يحولها إلى أدوات تُستخدم في هجمات إلكترونية واسعة دون علم أصحابها، مما يجعل الالتزام بإجراءات الحماية ضرورة أساسية للحفاظ على أمن البيانات والشبكات.





