دولية

هجوم 14 أكتوبر 1973.. المعركة التي غيّرت مسار حرب أكتوبر وفتحت الطريق أمام الاختراق الإسرائيلي

في السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973، بدأت القوات المصرية هجوماً واسعاً عبر قناة السويس، تمكنت خلاله من تحطيم تحصينات خط بارليف وإنشاء عدة رؤوس كباري داخل سيناء تحت حماية مظلة الدفاع الجوي المصرية. ومكّن هذا التقدم الجيش المصري من استعادة شريط من الأراضي بعمق عدة كيلومترات، لكنه لم يحقق الهدف النهائي المتمثل في تحرير سيناء بالكامل أو فرض وضع ميداني يصعب على إسرائيل تغييره عسكرياً.

ومع استمرار الحرب، اتجهت القيادة المصرية إلى بحث إمكانية توسيع نطاق الهجوم شرقاً والوصول إلى ممرات سيناء الجبلية، وعلى رأسها ممرات الجدي ومتلا والطاسة. وكانت السيطرة على هذه المناطق ستمنح القوات المصرية ميزة دفاعية مهمة في مواجهة أي هجوم إسرائيلي مضاد.

أربعة محاور للهجوم

في فجر 14 أكتوبر/تشرين الأول، بدأت القوات المصرية محاولة جديدة للتقدم شرقاً انطلاقاً من مواقعها داخل سيناء، عبر أربعة محاور رئيسية امتدت من شمال الجبهة إلى جنوبها.

في القطاع الشمالي، تحرك اللواء 15 المدرع المستقل من رأس كوبري الفرقة 18 مشاة باتجاه منطقة بالوظة وتقاطع الطريق الساحلي مع الطريق العرضي رقم 3.

وفي القطاع الأوسط، تولت الفرقة 21 المدرعة، بقيادة إبراهيم العرابي، المهمة الرئيسية للجيش الثاني، وانطلقت من رأس كوبري الفرقة 16 مشاة باتجاه الطاسة، التي كانت تمثل عقدة طرق مهمة وموقعاً رئيسياً لتجمع الاحتياطيات الإسرائيلية.

أما في الجنوب، فقد تحرك اللواء 11 مشاة ميكانيكي من الفرقة السابعة باتجاه الجدي، في حين كُلف اللواء الثالث المدرع من الفرقة الرابعة المدرعة بالتقدم جنوباً باتجاه ممر متلا.

وكان اتساع الجبهة يمثل تحدياً كبيراً، إذ فصلت عشرات الكيلومترات بين محاور الهجوم المختلفة، الأمر الذي جعل التنسيق والإمداد والدعم المتبادل بين القوات أكثر صعوبة.

الطاسة.. محور المعركة الأشد

تركزت أعنف الاشتباكات في محور الطاسة، حيث كانت الفرقة 21 المدرعة تمثل القوة الرئيسية في هجوم الجيش الثاني.

وقُسمت الفرقة إلى تشكيلين رئيسيين، ضم الأول اللواء الأول المدرع على اليمين واللواء 14 المدرع على اليسار، بينما تمركز اللواء 18 مشاة ميكانيكي خلفهما.

ولم تحصل الوحدات على الوقت الكافي للتحضير للهجوم. فقد تلقى قائدا اللواءين المدرعين مهامهما مساء 13 أكتوبر/تشرين الأول، ولم يتبق أمامهما سوى فترة قصيرة للاستطلاع والاستعداد، بينما لم تصل المهمة النهائية إلى اللواء 18 الميكانيكي إلا في الرابعة فجراً، أي قبل نحو ساعتين ونصف من موعد بدء الهجوم.

وفي السادسة والنصف صباحاً، تحرك اللواءان الأول والرابع عشر شرقاً بعد تمهيد جوي ومدفعي، لكنهما اصطدما قرابة الثامنة صباحاً بدفاعات إسرائيلية معدة مسبقاً تمتد من شمال الطريق الأوسط إلى جنوبه.

تعرض اللواء الأول المدرع لنيران كثيفة من المدفعية بعيدة المدى والدبابات والأسلحة المضادة للدروع. وخلال الدقائق الأولى من المعركة، قُتل قائده محمد توفيق أبو شادي وقائد مدفعية اللواء، كما انقطعت الاتصالات بين قيادة اللواء وعدد من وحداته، وهو ما انعكس على قدرته على إدارة المعركة.

وبحلول نحو الواحدة والنصف ظهراً، أصبحت أوضاع الفرقة 21 المدرعة شديدة الصعوبة، ما دفع قائدها إلى إعادة تنظيم القوات المتبقية داخل رأس كوبري الفرقة 16 مشاة.

اللواء 15 المدرع يصطدم بالدفاعات الإسرائيلية

في أقصى شمال الجبهة، تقدم اللواء 15 المدرع المستقل باتجاه بالوظة، وبدأت مقدمته التحرك بعد تمهيد مدفعي.

لكن القوات لم تتقدم سوى بضعة كيلومترات قبل أن تواجه موقعاً دفاعياً إسرائيلياً قوياً يسيطر على الطريق الساحلي. وحاول اللواء الالتفاف حول الموقع، قبل أن يعود إلى مهاجمته مباشرة تحت غطاء القصف المدفعي.

إلا أن الدبابات المصرية تعرضت لنيران كثيفة من المدفعية والدبابات والأسلحة المضادة للدروع، بما في ذلك نيران من الجانبين والأمام.

وبحلول نحو الحادية عشرة والنصف صباحاً، أصدر قائد اللواء أمراً بإيقاف التقدم عند الخط الذي وصلت إليه القوات وعدم دفع التشكيل الثاني إلى المعركة. وفي المساء، صدر أمر بالعودة إلى رأس كوبري الفرقة 18 مشاة.

اختراق عميق نحو ممر متلا

في أقصى الجنوب، كانت مهمة اللواء الثالث المدرع من الفرقة الرابعة المدرعة التقدم باتجاه المدخل الغربي لممر متلا.

لكن قائده نور الدين عبد العزيز اختار عدم استخدام الطريق الرئيسي، وقرر الالتفاف عبر وادي مبعوق ووادي المر بهدف تجنب مواقع الدفاع الإسرائيلية الأقوى.

وأتاح هذا المسار للقوات المصرية التقدم لمسافة تقارب 25 كيلومتراً شرق قناة السويس، والوصول إلى منطقة لا تبعد سوى نحو ستة كيلومترات عن المدخل الغربي لممر متلا.

غير أن هذا التقدم وضع اللواء في وضع معزول عن بقية القوات، كما أبعده بدرجة كبيرة عن مظلة الدفاع الجوي المصرية.

ومع اقتراب الثامنة صباحاً، بدأت وحداته في مواجهة قوات إسرائيلية مدرعة وأسلحة مضادة للدبابات، قبل أن تتعرض لهجمات جوية مكثفة.

وأصيب مركز قيادة اللواء، وقُتل قائده نور الدين عبد العزيز، ما أدى إلى اضطراب القيادة والسيطرة في وقت كانت فيه الدبابات الأمامية تخوض اشتباكات عنيفة.

ورغم ذلك، تمكنت أجزاء من اللواء من الاحتفاظ بمواقعها المتقدمة لعدة ساعات، وطلبت القيادة الأمامية دعماً من المشاة والمدفعية والطيران من أجل تثبيت مواقعها واستئناف التقدم، إلا أن هذا الدعم لم يكن متاحاً.

وفي نهاية المطاف، صدر الأمر بالانسحاب، فعادت بقايا اللواء إلى رأس كوبري الفرقة 18 مساء 14 أكتوبر/تشرين الأول.

محور الجدي.. هجوم بدأ قبل موعده

كان محور الجدي أكثر تعقيداً، إذ لم يتلق اللواء 11 مشاة ميكانيكي في الوقت المناسب قرار تأجيل العملية من 13 إلى 14 أكتوبر/تشرين الأول.

وبناءً على ذلك، خرج اللواء منفرداً في السادسة والنصف صباح 13 أكتوبر وخاض قتالاً استمر ساعات طويلة، قبل أن يعود إلى رأس الكوبري قرابة الثانية صباح 14 أكتوبر.

ونتيجة لذلك، تأجل هجومه إلى الواحدة ظهراً، مع إسناده بكتيبة دبابات من اللواء 25 المدرع المستقل.

وعند بدء التحرك، قطعت كتيبة الدبابات نحو سبعة كيلومترات خلال حوالي 15 دقيقة، واقتربت من هدفها، لكن بعد وقت قصير صدر أمر بإلغاء دفع اللواء 11 الميكانيكي وسحب كتيبة الدبابات.

وجاء القرار بعدما أصبح تعثر الهجوم على المحاور الأخرى واضحاً، وهو ما جعل استمرار التقدم على محور الجدي أكثر خطورة.

خسائر كبيرة ونتائج عسكرية حاسمة

مع انتهاء معارك 14 أكتوبر، اتضحت الكلفة الكبيرة للهجوم المصري، رغم اختلاف التقديرات حول حجم الخسائر بدقة.

وتشير إحدى الدراسات العسكرية الأميركية إلى أن خسائر القوات المصرية في محاولة الاختراق بلغت نحو 200 دبابة، فيما تضع تقديرات أكثر تحديداً خسائر الفرقة 21 المدرعة عند 188 دبابة من أصل نحو 200 إلى 210 دبابات شاركت في اللواءين المتقدمين.

وكانت القوات الإسرائيلية قد رصدت قبل ذلك وجود فجوة بين الجيشين المصري الثاني والثالث قرب منطقة الدفرسوار، لكنها لم تكن قد حسمت قرار استغلالها والعبور إلى الضفة الغربية للقناة.

ومع تراجع القوات المصرية وتبدل الوضع الميداني بعد معارك 14 أكتوبر، أصبحت الظروف أكثر ملاءمة للقوات الإسرائيلية لتنفيذ عملية العبور.

ونجحت القوات الإسرائيلية لاحقاً في اختراق الخطوط المصرية والعبور إلى الضفة الغربية لقناة السويس، ثم التقدم داخل العمق المصري والالتفاف باتجاه خليج السويس، في محاولة لعزل الجيش الثالث الميداني الذي كان يتولى مسؤولية القطاع الجنوبي من الجبهة الممتد حول الخليج.

جدل داخل القيادة المصرية حول تطوير الهجوم

ظل قرار تطوير الهجوم شرقاً واحداً من أكثر القضايا إثارة للجدل في شهادات القادة العسكريين المصريين حول حرب أكتوبر والاستعداد لها.

فالفريق سعد الدين الشاذلي، الذي كان رئيساً لأركان القوات المسلحة المصرية خلال الحرب، حمّل الرئيس محمد أنور السادات مسؤولية قرار تطوير الهجوم، وقال إن الخطة القتالية الأصلية لم تكن تتضمن تنفيذ هذا التحرك، وإن القرار اتُخذ على المستوى السياسي رغم اعتراض القيادة العسكرية.

في المقابل، قدم المشير محمد عبد الغني الجمسي، الذي كان رئيساً لهيئة عمليات القوات المسلحة خلال الحرب، رواية مختلفة، مؤكداً أن تطوير الهجوم كان مدرجاً ضمن الخطة القتالية المصرية.

وتزداد تعقيدات هذا الجدل عند النظر إلى الخطط العسكرية التي أُعدت خلال السنوات التي أعقبت هزيمة يونيو/حزيران 1967، إذ شهدت تلك المرحلة تصورات متعددة لتحرير سيناء وتغيير ميزان القوى على الجبهة.

كما ارتبط النقاش بشهادات الفريق أول محمد فوزي، وزير الدفاع المصري بين عامي 1967 و1971، حول تطور الخطط والاستعدادات العسكرية خلال السنوات السابقة للحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى