تنظيم الذكاء الاصطناعي.. معادلة اقتصادية بين كلفة السلامة ومخاطر غياب الرقابة

تتسع الفجوة بين التسارع الكبير في تطور الذكاء الاصطناعي وقدرة الحكومات على وضع قواعد تنظم استخدامه، في وقت أصبحت فيه هذه التكنولوجيا من أبرز مجالات الاستثمار العالمي ومحركا محتملا لزيادة الإنتاجية وتحفيز النمو الاقتصادي، ما يجعل تنظيمها قضية تتجاوز اعتبارات السلامة إلى حسابات اقتصادية واسعة.
فالقواعد الصارمة قد تزيد تكاليف تطوير النماذج، وتؤخر إطلاق التطبيقات، وتفرض أعباء إضافية على الشركات الناشئة. وفي المقابل، قد يؤدي ضعف الرقابة إلى خسائر ناجمة عن الاحتيال والهجمات السيبرانية والأخطاء الآلية وتراجع الثقة، فضلا عن اضطرابات سوق العمل ومخاطر يمكن أن تمتد آثارها إلى النظام المالي.
وتزداد صعوبة هذه المعادلة مع احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وتباين النماذج التنظيمية بين دول العالم، في حين يعمل الاتحاد الأوروبي على تطوير إطار يعتمد على مستويات المخاطر، وتسعى اقتصادات أخرى إلى إيجاد توازن بين حماية المستخدمين والحفاظ على جاذبية الاستثمار في التكنولوجيا.
فاتورة المخاطر الاقتصادية
اكتسب النقاش حول تنظيم الذكاء الاصطناعي زخما متزايدا مع تحذيرات مسؤولين وباحثين في شركات التكنولوجيا من مخاطر الأنظمة الأكثر استقلالية، بالتزامن مع تقارير عن حوادث مرتبطة باستخدام نماذج متقدمة في الهجمات السيبرانية، وتنامي قدرتها على تنفيذ مهام متعددة الخطوات مع تدخل بشري محدود.
وفي هذا السياق، دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى عدم الاكتفاء بالتنظيم الذاتي الطوعي للشركات، مطالبا بالإبلاغ عن الحوادث الخطيرة، والتحقق من قدرات النماذج، وتعزيز الرقابة على الجهات التي تطور الأنظمة الأكثر تقدما.
ولا تتطلب المخاطر الاقتصادية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي الوصول إلى سيناريوهات قصوى حتى تتحول إلى أعباء ملموسة، إذ يمكن أن تنشأ خسائر كبيرة من الاستخدامات اليومية للتكنولوجيا، ولا سيما عندما تتصل بالأمن والتمويل والخدمات الأساسية.
ويقول أستاذ واستشاري هندسة النظم الرقمية والذكية زياد يوسف إن الأمن السيبراني والاحتيال يتصدران قائمة هذه المخاطر، موضحا أن الذكاء الاصطناعي يوسع إمكانات إنتاج البرمجيات الخبيثة، وانتحال الأصوات والهويات، وتنفيذ الهجمات الإلكترونية.
وقد تتحمل البنوك وشركات التأمين والمستهلكون ومرافق البنية التحتية تكاليف هذه الهجمات، سواء من خلال الخسائر المالية المباشرة أو نفقات استعادة الأنظمة وتعزيز الحماية والتعامل مع تبعات الاختراقات.
ويشير يوسف إلى خطر آخر يتمثل في إمكانية تكرار القرار الخاطئ على نطاق واسع. فإذا استخدم بنك نموذجا غير دقيق لتقييم الجدارة الائتمانية، أو اعتمدت مؤسسة صحية أو شركة على نظام معيب لاتخاذ قرارات تمس أعدادا كبيرة من الأشخاص، فقد يتحول الخطأ الفردي إلى آلاف أو ملايين القرارات الآلية، بما يضاعف حجم الأضرار.
كما أصبحت الثقة أحد الأصول الأساسية في سوق الذكاء الاصطناعي، لأن توسيع استخدام هذه الأنظمة يتطلب منحها صلاحيات للوصول إلى البيانات وتنفيذ مهام فعلية. ولذلك، فإن تراجع ثقة الشركات والمستهلكين قد يبطئ تبني التكنولوجيا، حتى مع استمرار تطور قدراتها التقنية.
مخاطر مترابطة تتجاوز الأمن السيبراني
يتفق المختص في قطاع التكنولوجيا محمد السويسي على أن الأمن السيبراني يأتي في مقدمة المخاطر الاقتصادية، خصوصا مع انتقال مزيد من الأنشطة إلى الأنظمة الرقمية ودخول وكلاء الذكاء الاصطناعي في عمليات كانت تتطلب تدخلا بشريا مباشرا.
ويقول السويسي إن حساسية هذه المخاطر تتضاعف عندما تتعلق بالبنوك وشركات التأمين والمؤسسات الحكومية والشركات بمختلف أحجامها، إذ يمكن أن يمتد أثر الاختراق أو التصرف غير المتوقع من نظام يتمتع بصلاحيات واسعة إلى مؤسسات أخرى ترتبط به رقميا أو تشغيليا.
ولا تقتصر التحديات على الأمن، بل تشمل قدرة الشركات والاقتصادات على استيعاب التكنولوجيا، في ظل نقص المهارات المتخصصة وارتفاع تكاليف بعض النماذج والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها.
ويحذر السويسي كذلك من أن الاعتماد على عدد محدود من الشركات المزودة لنماذج الذكاء الاصطناعي وخدمات الحوسبة السحابية قد يؤدي إلى نشوء تبعية تكنولوجية، ولا سيما عندما تضع المؤسسات بياناتها الاقتصادية والتجارية الحساسة داخل أنظمة تديرها شركات خارج أسواقها المحلية.
ويمثل سوق العمل تحديا إضافيا، إذ يقدر صندوق النقد الدولي أن نحو 40% من الوظائف حول العالم معرضة بدرجات متفاوتة لتأثير الذكاء الاصطناعي، سواء عبر استبدال بعض المهام أو تغيير طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة لأدائها.
كلفة السلامة والتنظيم
في المقابل، يفرض تطبيق ضوابط فعالة على الذكاء الاصطناعي تكاليف إضافية على الشركات، تشمل اختبار النماذج، وتعزيز الأمن السيبراني، وحوكمة البيانات، والتوثيق، والتدقيق القانوني، ومراقبة الأنظمة بعد إطلاقها.
وقد تتطلب النماذج التي تنطوي على مخاطر مرتفعة تقييما مستقلا قبل إتاحتها للمستخدمين، وهو ما يزيد رأس المال اللازم للوصول إلى السوق، وقد يؤخر إطلاق التطبيقات بسبب مراحل الفحص والتوثيق والموافقة الإضافية.
ويرى السويسي أن هذه المتطلبات قد تشكل عبئا أكبر على الشركات الناشئة مقارنة بالشركات الكبرى، التي تمتلك موارد مالية وتقنية أوسع تتيح لها تحمل نفقات الامتثال التنظيمي.
لكن هذه التكاليف، بحسب السويسي، ينبغي مقارنتها بالخسائر المحتملة في حال وقوع أعطال أو تسرب للبيانات أو دعاوى قضائية أو اضطرار الشركات إلى سحب منتجاتها من السوق. فقد تكون معالجة المشكلات قبل إطلاق النظام أقل تكلفة من التعامل مع تبعاتها بعد انتشاره على نطاق واسع.
ويتفق يوسف مع هذا التقييم، مشيرا إلى أن إجراءات السلامة قد تزيد تكاليف التطوير في المراحل الأولى، لكنها يمكن أن تخفض فاتورة الأخطاء والمشكلات لاحقا، خصوصا عندما يُستخدم النظام على نطاق واسع وفي قطاعات حساسة.
ومن هنا، ترتبط المعادلة الاقتصادية بمدى تناسب القواعد التنظيمية مع مستوى الخطر؛ إذ لا ينبغي بالضرورة إخضاع التطبيقات المحدودة الاستخدام للمتطلبات نفسها المفروضة على الأنظمة التي تتخذ قرارات ائتمانية أو صحية، أو تتحكم في بنية تحتية حيوية.
ويظل التحدي أمام الحكومات هو بناء أطر تنظيمية تحمي المستخدمين والمؤسسات من الأضرار المحتملة، من دون فرض أعباء غير متناسبة تعرقل الابتكار أو تحد من المنافسة والاستثمار.





