أدب السجون في سوريا.. حين تحولت الزنازين إلى ذاكرة تقاوم النسيان

على مدى خمسة عقود، لم تكن السجون في سوريا مجرد أماكن مغلقة خلف الجدران، بل امتدت آثارها إلى تفاصيل الحياة اليومية لملايين السوريين. فالمعتقل الغائب كان حاضرا في البيوت، في مقاعد الطعام الخالية، وفي انتظار عائلات أنهكها القلق وطول البحث عن مصير أبنائها.
ومع ترسخ الاعتقال بوصفه إحدى أبرز أدوات القمع السياسي في عهد البعث، تسللت تجربة السجن إلى الرواية والشعر والقصة والمذكرات، حتى أصبح من الصعب قراءة الأدب السوري المعاصر من دون ملاحظة ظلال المعتقلات فيه.
ولهذا لا تقدم الكتابات السورية عن السجن وصفا للزنزانة والتعذيب فقط، بل تكشف أيضا عن مجتمع كامل عاش تحت وطأة الخوف والمراقبة. فالكتابة هنا تتحول إلى وسيلة لاستعادة ذاكرة حاول القمع طمسها، وإلى مساحة تمنح الضحايا أصواتا حُرموا من استخدامها في الحياة العامة.
السجن.. صورة مكثفة لسوريا كلها
من أبرز ما تكشفه أدبيات السجون السورية أن الحدود بين المعتقل وخارجه لم تكن دائما واضحة. ففي كثير من الأعمال، يبدو الخوف في الشارع امتدادا للخوف داخل الزنزانة، بل قد يصبح انتظار الاعتقال أكثر قسوة من الاعتقال نفسه.
في رواية «الخائفون»، تقترب ديمة ونوس من هذه الحالة النفسية من خلال شخصية سليمى، حيث يصبح الخوف من السجن جزءا من الحياة اليومية، ويتحول انتظار المجهول إلى معاناة تفوق أحيانا معاناة السجن نفسه.
وبهذه الطريقة، لا يعود القمع بحاجة إلى حضور السجان في كل مكان، إذ يتحول الخوف إلى رقابة داخلية تجعل الإنسان حذرا من كلماته وتصرفاته وعلاقاته، فينشئ لنفسه أسوارا نفسية قبل أن تصله أسوار المعتقل.
وفي رواية «سمر الليالي» لنبيل سليمان، تظهر حكايات المعتقلات السياسيات في مدينة بحرية بوصفها نموذجا مصغرا للواقع السوري الأوسع. فالسجن لا يبدو عالما منفصلا عن المجتمع، وإنما صورة مركزة للعنف والإذلال والرقابة واستخدام القوة لإخضاع الإنسان.
وما تتعرض له ريّا ولبيبة، وهما من سجينات الرواية، يجد انعكاساته في البيوت والشوارع والعلاقات الاجتماعية، بحيث يتجاوز مفهوم السجن حدوده المكانية ليصبح وصفا لمدينة وبلد كاملين.
المدينة التي تشبه الزنزانة
يقدم القاص إبراهيم صموئيل في قصة «المقبرة» صورة رمزية للعلاقة بين الزنزانة والمدينة، من خلال التداخل بين تجربة السجين وانتظار محبوبته «عناد» في الخارج.
فالمدينة التي يصفها تبدو قاتمة وموحشة، تحاصرها الممرات الضيقة وتملؤها ظلال الأشباح، في صورة تجعل الفارق بين السجن والفضاء الخارجي شديد الضآلة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة البيت والشارع والمؤسسة الرسمية بوصفها امتدادات رمزية للزنزانة، حيث لا يقتصر القمع على التعذيب الجسدي، بل يظهر أيضا في حضور المخبر والخوف من السلطة وإهانة الكرامة وتعطيل مصالح الناس داخل المؤسسات.
وهذا ما تشير إليه الناقدة آن-ماري مكمنوس في دراستها «شبكات سرد السجن»، التي تنظر إلى السجن باعتباره عدسة تكشف الروابط السياسية والاجتماعية التي يصنعها الاستبداد، لا باعتباره مجرد مكان للاحتجاز.
حين يصبح البقاء شكلا من أشكال المقاومة
إذا كان السجن في المفهوم التقليدي وسيلة لسلب الحرية ومعاقبة من يخالف القانون، فإن شهادات وأعمالا أدبية سورية تصوره بوصفه منظومة تهدف إلى تحطيم الإنسان جسديا ونفسيا.
وتتحدث شهادات المعتقلين عن ممارسات قاسية، من الشبح واقتلاع الأظافر، إلى تقديم الطعام والمياه الملوثة، والحبس الانفرادي في أماكن معتمة، فضلا عن جلسات التعذيب التي دفعت بعض المعتقلين إلى وصفها بأنها حالة تقع بين الحياة والموت.
وفي مواجهة هذا العنف، تظهر مفارقة أساسية في أدب السجون السوري: فالمعتقل الذي سُلبت منه أدوات الحياة الأساسية يحاول تحويل ما تبقى لديه إلى وسائل للحفاظ على هويته وإرادته.
ويبرز ذلك بوضوح في رواية «أوتار خلف القضبان» لأسعد شلاش، من خلال شخصية «فرح»، الموسيقي الذي حُرم من آلته لكنه رفض أن يسمح للسجن بانتزاع الموسيقى من داخله.
يستخدم فرح قطعة خشبية مأخوذة من صندوق للطعام، ويرسم عليها مواضع العلامات، ثم يحرك أصابعه فوقها مستعيدا الألحان في ذاكرته. ومع مرور الوقت، تتحول الموسيقى من وسيلة شخصية لمقاومة العزلة إلى نشاط جماعي، حين يبدأ بتعليم رفاقه قراءة النوتة الموسيقية على علب السجائر.
الغناء في مواجهة الموت
تبلغ هذه المقاومة ذروتها في احتفال المعتقلين بليلة رأس السنة. يجمعون ما يستطيعون الاحتفاظ به من الحلوى والفواكه، ويصنعون منها شرابا دافئا، ثم يرقصون متلاصقين بسبب ضيق المكان ويغنون أغنيات فيروز.
في هذه اللحظة، يتحول الاحتفال البسيط إلى فعل مقاومة رمزي، لأن المعتقلين، رغم ظروفهم القاسية، يصرون على الاحتفاظ بحقهم في الفرح.
فالقليل من الطعام، وأغنية مألوفة، وأجساد أنهكها التعذيب والاحتجاز، تصبح وسائل للتأكيد على أن السجان لم ينتصر بالكامل، وأن الإنسان قادر على صناعة لحظة حياة حتى في أكثر الأماكن قسوة.
الشعر.. مساحة لا تصل إليها يد السجان
وفي ديوان «أغنيات سجينة» لجورج صبرة، تتخذ مقاومة السجن شكلا مختلفا، إذ تصبح الذاكرة نفسها ساحة للمواجهة.
عندما أدرك صبرة أن العزلة الطويلة يمكن أن تمحو أسماء أحبائه وتفتك بذاكرته، لجأ إلى كتابة الشعر في ذهنه. كان يؤلف البيت ويحفظه، ثم يكرر القصيدة في رأسه شطرا بعد آخر، من دون ورقة أو قلم.
وفي إحدى المرات، لاحظ أحد السجانين حركات رأسه ويديه داخل الزنزانة، وسأله عما يفعله. وعندما أجابه بأنه يكتب الشعر، بدأ السجان في تفتيش البطانيات والفراش والحذاء بحثا عن ورقة أو قلم.
لكن التفتيش لم يعثر على شيء، ليشير صبرة إلى رأسه، موضحا أن الكتابة تحدث داخله.
وتكشف هذه الحادثة عن حدود السلطة داخل السجن؛ فالسجان يستطيع تفتيش الجسد والزنزانة، لكنه لا يستطيع الوصول بسهولة إلى الذاكرة والخيال والفكرة.
وهنا تتغير صورة المعتقل في الأدب السوري، فلا يعود مجرد ضحية تنتظر التعذيب، وإنما إنسان يحاول حماية الجزء الأخير من حريته: قدرته على التفكير والتذكر والخلق.
النساء يكتبن ذاكرة مختلفة للاعتقال
تضيف شهادات السوريات المعتقلات طبقة أخرى إلى أدب السجون، لأن تجربة الاعتقال بالنسبة إلى النساء ارتبطت بالعنف الجسدي والنفسي، لكنها امتدت أيضا إلى الأمومة والأنوثة والعلاقات الإنسانية ونظرة المجتمع إلى المرأة بعد خروجها من المعتقل.
وتبرز هذه التجربة في كتاب «نيغاتيف: من ذاكرة المعتقلات السياسيات» لروزا ياسين حسن، الذي يجمع شهادات نساء ينتمين إلى أجيال وتجارب وتوجهات سياسية مختلفة.
ويمنح الكتاب لكل معتقلة مساحة لاستعادة قصتها بصوتها، من خلال عناوين تتناول العنف والجسد والأمومة والحب والجنون والأنوثة داخل المعتقل.
وتنتقل الشهادات بين تفاصيل التعذيب الجسدي، والحرمان من الأطفال، والأمومة التي تستمر خلف القضبان، والرغبة في الحب والحياة، لتقدم صورة عن جانب ظل لفترة طويلة أقل حضورا في أدبيات السجون السورية.
الجسد يتحول إلى رفيق للمعتقلة
في إحدى الشهادات، تصبح العلاقة مع الجسد نفسه وسيلة للبقاء. فـ«لينا»، إحدى المعتقلات، تحاول مخاطبة جسدها أثناء التعذيب حتى لا تنهار، مستحضرة شخصية من رواية تركية شهيرة، ومرددة له أن يصمد.
وبعد انتهاء التعذيب، تشكر جسدها على تحمله، في صورة تختزل الصراع بين السجان الذي يحاول إخضاع الجسد وصاحبته التي تتمسك به باعتباره آخر ما تملك.
أما الأمومة، فتظهر في تجربة «بثينة» التي حُرمت من طفلتها راما وهي لم تتجاوز الشهر العاشر من عمرها. وهكذا لا يتوقف أثر الاعتقال عند حرمان الأم من حريتها، بل يمتد إلى السنوات الأولى من حياة طفلتها، التي تنمو بعيدا عن أمها.
ومع ذلك، لا تختزل شهادات المعتقلات تجربتهن في الألم وحده، إذ يظهر فيها أيضا التمسك بالحب والرغبة في الحياة واستعادة الإحساس بالأنوثة والكرامة.
الأدب في مواجهة النسيان
تكشف أدبيات السجون السورية أن المعتقل لم يكن مجرد مكان تُحتجز فيه الأجساد، بل منظومة امتدت آثارها إلى العائلة والشارع والمؤسسة والعلاقات الإنسانية والذاكرة الجماعية.
ولهذا أصبحت الرواية والقصة والشعر والشهادة أدوات لاستعادة ما حاول القمع إخفاءه. فالموسيقي الذي يصنع آلته من قطعة خشب، والشاعر الذي يكتب في رأسه، والمعتقلة التي تخاطب جسدها حتى يصمد، جميعهم يحولون فعل البقاء إلى شكل من أشكال المقاومة.
ومن هنا تكتسب الكتابة عن السجن أهميتها؛ فهي لا تحفظ فقط أسماء المعتقلين وتجاربهم، وإنما تكشف أيضا كيف يمكن لنظام القمع أن يتجاوز جدران المعتقل ليعيد تشكيل حياة المجتمع بأكمله.
وفي المقابل، تكشف هذه النصوص أن الإنسان، حتى عندما تُسلب منه حريته وأدواته وفضاؤه، يستطيع أن يحتفظ بمساحة داخلية لا تصل إليها القضبان بسهولة: الذاكرة، والخيال، والموسيقى، والشعر، والحب، والرغبة في الحياة.





