دولية

أزمة سبتة تفجر خلافات أوروبية جديدة حول الهجرة وتهدد وحدة فضاء شنغن

شكّل التدفق غير المسبوق لنحو 72 ألف مهاجر غير نظامي إلى مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية، في نهاية يوليو/تموز 2026، نقطة تحول جديدة في ملف الهجرة داخل أوروبا، بعدما أعادت الأزمة القضية إلى واجهة النقاش السياسي وكشفت عن تباينات متزايدة بين الدول الأوروبية بشأن كيفية التعامل مع موجات الهجرة.

وبحسب تقرير أعده أسامة محمد للجزيرة، اتخذت الأزمة منحى أكثر خطورة بعد مصرع 72 مهاجرا خلال محاولات العبور الجماعي من المغرب إلى سبتة، بالتزامن مع تصاعد الخلافات داخل أوروبا بشأن سياسات الحدود والهجرة.

وأعلنت إيطاليا تعليق العمل بإجراءات اتفاقية شنغن، التي أُبرمت في 14 يونيو/حزيران 1985، بهدف إلغاء الرقابة على الحدود الداخلية بين الدول المشاركة والسماح بحرية حركة الأشخاص والسلع والخدمات بينها.

إيطاليا تشدد إجراءاتها الحدودية

جاء القرار الإيطالي ردا على تداعيات موجة الهجرة، إذ اعتبرت رئيسة الوزراء جورجا ميلوني أن تشديد الضوابط الحدودية يمثل إجراء استثنائيا يستهدف حماية الأمن الوطني ومنع انتقال تداعيات الأزمة إلى الأراضي الإيطالية.

وتعد هذه الخطوة تطورا لافتا في ظل أهمية منطقة شنغن بالنسبة لحركة التنقل داخل أوروبا، حيث سمحت الاتفاقية على مدار عقود لملايين الأشخاص بالانتقال بين الدول المشاركة دون المرور بإجراءات تفتيش حدودية داخلية منتظمة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الإجراءات الاستثنائية قد يفتح الباب أمام دول أخرى لاتخاذ تدابير مماثلة، خصوصا إذا استمرت الضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية.

رفض إسباني للإجراءات الإيطالية

في المقابل، رفضت إسبانيا الإجراءات الإيطالية، ووصفتها بأنها غير عادلة وتمثل تمييزا ضد سكانها، مطالبة روما بالتراجع عن القيود المفروضة.

ومنحت مدريد إيطاليا مهلة حتى الأحد المقبل لرفع الإجراءات، لكن الحكومة الإيطالية أكدت أنها لن تستجيب لما وصفته بالإنذارات أو الإملاءات.

وأظهر الخلاف حجم التباين بين الدول الأوروبية بشأن المسؤولية عن إدارة الحدود والهجرة، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية على الحكومات للتعامل بصورة أكثر تشددا مع تدفقات المهاجرين.

انقسام داخل الاتحاد الأوروبي

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الخلاف الإسباني الإيطالي، بل امتدت إلى دول أوروبية أخرى، إذ دعت إيطاليا والدنمارك إلى تعليق عضوية إسبانيا في فضاء شنغن، في حين أيدت 22 دولة من أصل 27 دولة عضوا في الاتحاد الأوروبي رسالة مشتركة تدعو إلى تعزيز حماية الحدود الخارجية وتنسيق السياسات المتعلقة بالهجرة.

وكشفت وثيقة نشرتها مجلة “بوليتيكو” أن غالبية دول الاتحاد الأوروبي أبدت تأييدا لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمواجهة الهجرة غير النظامية، وهو ما يعكس اتساع نطاق الجدل بشأن الطريقة التي تدير بها الدول الأعضاء حدودها الخارجية.

ويأتي ذلك في ظل اعتقاد بعض الدول بأن معالجة تدفقات الهجرة تتطلب إجراءات أكثر تشددا عند الحدود الخارجية للاتحاد، بدلا من ترك الدول التي تقع على خطوط المواجهة الأولى تتحمل العبء بصورة منفردة.

تهديد لحرية التنقل الأوروبية

ولا تقتصر تداعيات الخلاف على الجانب السياسي، إذ يمكن أن تكون لها انعكاسات اقتصادية مباشرة في حال توسعت القيود الحدودية داخل فضاء شنغن.

وتشير بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي إلى أن عدد المسافرين جوا داخل الاتحاد الأوروبي تجاوز مليار مسافر خلال عام 2025، وهو ما يبرز أهمية حرية الحركة بالنسبة إلى السياحة والتجارة والنقل والنشاط الاقتصادي بشكل عام.

ويضم فضاء شنغن حاليا 29 دولة، بينها 25 دولة من الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى آيسلندا وليختنشتاين والنرويج وسويسرا، ويوفر حرية التنقل لأكثر من 400 مليون شخص.

ومن ثم، فإن إعادة فرض القيود الحدودية بصورة موسعة قد تمس أحد أبرز مكتسبات التكامل الأوروبي، فضلا عن تأثيرها المحتمل في حركة السياحة والأعمال والنقل عبر الحدود.

أزمة سبتة قد تكون بداية لخلافات أوسع

ويرى محللون أن أزمة سبتة قد لا تكون سوى بداية لموجة جديدة من الخلافات الأوروبية حول ملف الهجرة، خصوصا مع اقتراب استحقاقات انتخابية في عدد من الدول الأوروبية وتصاعد نفوذ الأحزاب اليمينية والمتطرفة التي تضع الحد من الهجرة غير النظامية في مقدمة برامجها السياسية.

وقد تدفع هذه التطورات الحكومات الأوروبية إلى تبني سياسات أكثر صرامة بشأن استقبال المهاجرين وحماية الحدود، في محاولة لاحتواء الضغوط الداخلية والمخاوف الأمنية والسياسية.

وفي المقابل، تواجه الدول الأوروبية ضغوطا من منظمات حقوقية ومؤسسات دولية للحفاظ على التزاماتها الإنسانية تجاه طالبي اللجوء والمهاجرين، وعدم تحويل حماية الحدود إلى إجراءات تؤدي إلى انتهاك حقوق الإنسان.

معادلة صعبة أمام أوروبا

وتسعى الدول الأوروبية إلى تعزيز قدرات الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل “فرونتكس”، ومنحها دورا أكبر في مراقبة الحدود الخارجية والتعامل مع موجات الهجرة.

لكن الأزمة تطرح معادلة أكثر تعقيدا تتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين حماية الحدود والاستجابة للمخاوف الأمنية من جهة، والالتزام بالقواعد الإنسانية وحرية التنقل داخل القارة من جهة أخرى.

وتبرز أزمة سبتة هذا التحدي بصورة واضحة، إذ باتت قضية الهجرة لا تختبر فقط قدرة أوروبا على حماية حدودها، بل أيضا مدى قدرتها على الحفاظ على التضامن بين دولها وتجنب تحول الخلافات حول الهجرة إلى تهديد مباشر لمشروع شنغن والتكامل الأوروبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى