اشتداد المنافسة بين الصين وأمريكا على الذكاء الاصطناعي.. استثمارات ضخمة وحرب نماذج وتقنيات

لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي بين الصين والولايات المتحدة مقتصرًا على تطوير نماذج أكثر تطورًا، بل تحول إلى منافسة إستراتيجية تشمل التمويل، والبنية التحتية، والرقائق الإلكترونية، والتنظيمات الحكومية، وأسعار الخدمات، وحتى ثقة المستخدمين حول العالم.
ومع اقتراب النماذج الصينية من منافسة نظيراتها الأمريكية، تتشكل ملامح مرحلة جديدة من المنافسة التقنية العالمية، يسعى فيها كل طرف إلى فرض حضوره في سوق يُتوقع أن يقود الاقتصاد الرقمي خلال السنوات المقبلة.
استثمارات ضخمة لدعم “ديب سيك”
كشفت تقارير إعلامية صينية عن حصول شركة DeepSeek على جولة تمويل ضخمة تقدر بنحو 51 مليار يوان (حوالي 7.5 مليارات دولار)، لترتفع قيمتها السوقية إلى ما يقارب 4 تريليونات يوان (نحو 591 مليار دولار).
وشارك في التمويل عدد من كبرى الشركات الصينية، من بينها Tencent وJD.com وNetEase، إضافة إلى شركة CATL الرائدة في تقنيات البطاريات والطاقة، إلى جانب صندوق الاستثمار الوطني لصناعة الذكاء الاصطناعي.
ويعكس هذا الدعم رؤية صينية تعتبر الذكاء الاصطناعي مشروعًا إستراتيجيًا طويل الأمد، وليس مجرد قطاع تجاري، في إطار مساعي بكين لتقليص الفجوة مع الولايات المتحدة وتعزيز استقلالها التقني.
“أنثروبيك” تتصدر المشهد الأمريكي
في المقابل، يواصل النموذج الجديد لشركة Anthropic جذب الاهتمام داخل الولايات المتحدة، بعدما اعتبره عدد من الخبراء من أكثر النماذج تطورًا حتى الآن.
وتشير تقارير تقنية إلى أن النموذج تمكن من تنفيذ مهام برمجية معقدة في وقت قياسي، بينها تطوير نسخة كاملة من لعبة إلكترونية خلال أقل من ساعة، إضافة إلى إنجاز عمليات نقل شفرات برمجية كانت تستغرق أسابيع أو أشهر من العمل.
كما استخدمته شركات تقنية كبرى لتنفيذ مهام هندسية معقدة، الأمر الذي عزز مكانة الشركة في سباق الذكاء الاصطناعي.
قيود أمريكية على تصدير النماذج
لكن التطور التقني أثار أيضًا مخاوف أمنية، بعدما أشارت تقارير إلى إمكانية استخدام بعض قدرات النموذج في إنتاج شفرات قد تستغل ثغرات إلكترونية.
ودفع ذلك السلطات الأمريكية إلى فرض قيود على تصدير بعض النماذج المتقدمة إلى خارج الولايات المتحدة، في خطوة تعكس توسع استخدام أدوات الرقابة التقنية لحماية التقنيات الحساسة.
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات قد تمنح الشركات الصينية فرصة أكبر للتوسع في الأسواق الدولية التي أصبحت أقل قدرة على الوصول إلى بعض النماذج الأمريكية.
الصين تستغل الفرصة
برز خلال الفترة الأخيرة نموذج GLM 5.2 الذي طورته شركة Zhipu الصينية، إذ تشير تقارير إعلامية إلى تحقيقه نتائج قوية في عدد من اختبارات الاستدلال المنطقي، مع سرعة معالجة مرتفعة وتكلفة تشغيل أقل بكثير من بعض النماذج المنافسة.
ورغم أن التقارير لا تؤكد تفوقًا شاملاً على النماذج الأمريكية، فإن انخفاض التكلفة قد يمنح الشركات الصينية ميزة تنافسية مهمة، خاصة في الأسواق التي تبحث عن حلول أقل تكلفة.
المنافسة تتجاوز النماذج
ولا تقتصر المنافسة بين بكين وواشنطن على تطوير النماذج اللغوية، بل تمتد إلى الرقائق الإلكترونية، ومراكز البيانات، والطاقة، والبنية السحابية، وهي العناصر التي تشكل الأساس الحقيقي لتطوير الذكاء الاصطناعي.
وتشير دراسات حديثة إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بتفوق واضح في مجال الرقائق المتقدمة والبنية السحابية، بينما تحقق الصين تقدمًا متسارعًا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والطاقة، وتقليص الفجوة في قدرات النماذج.
كما واصلت بكين خلال السنوات الماضية ضخ استثمارات كبيرة في تطوير صناعة أشباه الموصلات، بهدف تقليل اعتمادها على التكنولوجيا الغربية وتعزيز قدرتها على المنافسة.
حرب أسعار داخل السوق الصينية
مع تقارب مستويات الأداء بين النماذج المختلفة، اشتدت المنافسة التجارية داخل الصين، حيث اتجهت شركات كبرى مثل Alibaba وTencent وByteDance وMiniMax إلى خفض أسعار خدمات الذكاء الاصطناعي أو تقديم عروض موسعة لاستقطاب المستخدمين.
وفي المقابل، تمكنت بعض الشركات، مثل Zhipu، من رفع أسعار خدماتها مع استمرار زيادة الطلب، وهو ما يشير إلى انتقال بعض النماذج من المنافسة السعرية إلى المنافسة القائمة على جودة الأداء.
معركة الثقة العالمية
ورغم التقدم التقني الذي تحققه الصين، لا تزال تواجه تحديًا آخر يتمثل في بناء ثقة المستخدمين الدوليين.
فبحسب استطلاعات رأي حديثة، يرى كثير من المشاركين في عدة دول أن الصين أصبحت منافسًا حقيقيًا للولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، إلا أن النماذج الأمريكية ما زالت تحظى بمستويات أعلى من الثقة لدى المستخدمين.
ويشير ذلك إلى أن المنافسة المقبلة لن تُحسم فقط بسرعة تطوير النماذج أو حجم الاستثمارات، بل ستعتمد أيضًا على قدرة كل طرف على كسب ثقة الحكومات والشركات والمستخدمين حول العالم، في سباق يتوقع أن يرسم ملامح الاقتصاد الرقمي العالمي خلال السنوات القادمة.





