هل يؤثر غياب السماء عن حياتنا اليومية؟ أبحاث تكشف علاقتها بالصحة النفسية والجسدية

رغم أنها تمتد فوق رؤوسنا في كل لحظة، فإن كثيرين يقضون معظم يومهم دون أن يلتفتوا إلى السماء أو يروها بوضوح، بعدما حجبتها الأبراج الشاهقة والجدران الخرسانية، لتتحول إلى مساحة ضيقة لا تظهر إلا بين المباني أو من خلال نافذة صغيرة.
وقد يبدو الأمر مجرد تغير بصري فرضته المدن الحديثة، إلا أن دراسات علمية متزايدة تشير إلى أن رؤية السماء والطبيعة المحيطة قد تلعب دورًا مهمًا في تعزيز الصحة النفسية والجسدية، إلى جانب تأثيرها في تحسين جودة الحياة.
التوسع العمراني يقلص حضور السماء
مع تجاوز عدد سكان العالم حاجز 8 مليارات نسمة واستمرار التوسع الحضري بوتيرة متسارعة، تقلصت المساحات الطبيعية في المدن، وحلت محلها مبانٍ مرتفعة وأحياء مكتظة، ما أدى إلى تضييق المساحة المرئية من السماء في كثير من المناطق.
وتتوقع الأمم المتحدة أن يعيش نحو 70% من سكان العالم في المدن بحلول عام 2050، وهو ما يعني تراجع فرص التعرض المباشر للضوء الطبيعي والهواء الطلق والمشاهد المفتوحة، وهي عناصر ترتبط ارتباطًا وثيقًا بصحة الإنسان.
ولهذا بدأ الباحثون يدرسون ما يعرف بـ”معامل رؤية السماء”، وهو مؤشر يقيس حجم الجزء المرئي من السماء بين المباني أو عبر النوافذ، باعتباره أحد العوامل المؤثرة في جودة البيئة العمرانية.
الطبيعة ودورها في تحسين الصحة
أظهرت العديد من الدراسات أن قضاء الوقت في البيئات الطبيعية أو مجرد مشاهدتها يرتبط بانخفاض مستويات التوتر والقلق وتحسن المزاج وزيادة القدرة على التركيز والانتباه.
كما ربطت أبحاث أخرى العيش بالقرب من المساحات الخضراء بانخفاض احتمالات الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة، مثل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسكري من النوع الثاني وبعض أمراض الجهاز التنفسي.
ولا تعني هذه النتائج أن الطبيعة تمثل علاجًا مباشرًا لهذه الأمراض، لكنها تسهم في تحسين الصحة عبر تقليل الضغوط النفسية، وتشجيع النشاط البدني، وتحسين جودة النوم، وتعزيز التفاعل الاجتماعي، إضافة إلى الحد من التعرض للتلوث والضوضاء في بعض البيئات.
حتى المستشفيات تستفيد من المناظر الطبيعية
امتد تأثير الطبيعة إلى تصميم المنشآت الصحية، حيث أشارت دراسات إلى أن المرضى الذين يستطيعون رؤية الأشجار أو المناظر الطبيعية من نوافذ غرفهم يشعرون براحة أكبر، وقد تتحسن لديهم تجربة التعافي مقارنة بمن يقضون فترات العلاج في بيئات مغلقة.
ولهذا أصبح إدخال الضوء الطبيعي وتوفير إطلالات مفتوحة من العناصر التي تحظى باهتمام متزايد عند تصميم المستشفيات والمراكز العلاجية.
كما برزت أهمية الطبيعة خلال جائحة كوفيد-19، إذ أظهرت دراسة أجريت في العاصمة اليابانية طوكيو عام 2020 وشملت نحو ثلاثة آلاف شخص، أن رؤية المساحات الخضراء من المنزل أو زيارتها خلال فترات السماح بالخروج ارتبطت بارتفاع مستويات السعادة والرضا عن الحياة، وانخفاض الشعور بالوحدة والاكتئاب.
السماء.. عنصر مهمل في الدراسات
في حين ركزت معظم الأبحاث السابقة على تأثير الأشجار والحدائق والبحيرات، لم تحظَ السماء باهتمام مستقل، رغم أنها تمثل جزءًا أساسيًا من البيئة الطبيعية.
لكن هذا التوجه بدأ يتغير مع ظهور دراسات حديثة تسعى إلى فهم أثر رؤية السماء نفسها على الإنسان، سواء من الناحية النفسية أو الصحية.
فقد خلصت دراسة أجراها باحثون أتراك عام 2024 إلى أن تصميم المباني، خاصة المستشفيات، ينبغي أن يراعي مساحة السماء المرئية وكمية ضوء الشمس الداخل إلى المبنى، لما لذلك من أثر إيجابي في راحة المرضى والعاملين وتحسين جودة البيئة الداخلية.
أكثر من مجرد منظر جميل
لا تقتصر أهمية السماء على جمالها البصري، بل تمثل عنصرًا يساعد على إدخال الضوء الطبيعي إلى المباني ويمنح الإنسان إحساسًا بالاتساع والانفتاح، وهو ما يخفف الشعور بالاختناق الذي قد تفرضه البيئات المغلقة والمكتظة.
ومع استمرار التوسع العمراني حول العالم، يرى الباحثون أن الحفاظ على إمكانية رؤية السماء وإدماجها في تخطيط المدن قد يصبح أحد الجوانب المهمة في تصميم بيئات عمرانية أكثر صحة، تدعم الرفاه النفسي والجسدي للسكان، إلى جانب توفير المساحات الخضراء والعناصر الطبيعية الأخرى.





