الاستثمار للأطفال والقاصرين.. كيف تساعد الحسابات المالية المبكرة على بناء الثروة؟

لم يعد الاستثمار في الأسواق المالية مقتصرًا على البالغين، إذ توسعت المؤسسات المالية في الولايات المتحدة وأوروبا لتقديم حسابات استثمارية مخصصة للأطفال والقاصرين، بهدف تمكين الأسر من بناء ثروات لأبنائها منذ سنواتهم الأولى، والاستفادة من قوة الاستثمار طويل الأجل.
وتوفر البنوك وشركات إدارة الأصول مجموعة متنوعة من المنتجات الاستثمارية التي تساعد الأطفال على اكتساب الثقافة المالية مبكرًا، مع منحهم فرصة لتنمية مدخراتهم على مدى سنوات طويلة قبل بلوغ سن الرشد.
الاستثمار المبكر يعزز نمو الثروة
يرى خبراء المال أن البدء في الاستثمار منذ الصغر يمنح الأموال وقتًا أطول للنمو بفضل العوائد التراكمية، كما يساعد على تجاوز تقلبات الأسواق والأزمات الاقتصادية قصيرة الأجل.
ولهذا السبب، أطلقت شركات استثمار أمريكية كبرى، مثل روبن هود وفانغارد وفيداليتي وتشارلز شواب، برامج مخصصة للأطفال والشباب، تشجع على الادخار والاستثمار بمبالغ صغيرة.
ومن بين هذه المبادرات، يوفر تطبيق Acorns نسخة للأطفال تحمل اسم Acorns Early، تعتمد على تقريب قيمة المشتريات إلى أقرب دولار واستثمار الفارق تلقائيًا، بما يساعد على تكوين مدخرات تدريجيًا.
لم يعد الاستثمار حكرًا على الأثرياء
في السابق، كان فتح حسابات استثمار للأطفال يقتصر غالبًا على الأسر الثرية التي تستعين بمستشارين ماليين، لكن انتشار التطبيقات الرقمية ومنصات الاستثمار جعل هذه الخدمة متاحة لشريحة واسعة من الأسر.
وتؤكد مالوري باسكا، مؤسسة شركة متخصصة في التثقيف المالي للأطفال، أن التكنولوجيا ساهمت في إزالة كثير من العوائق أمام الاستثمار، وأصبح بإمكان الأسر استثمار مبالغ بسيطة بسهولة عبر الهواتف الذكية.
حسابات ترمب للقاصرين
شهدت الولايات المتحدة دفعة جديدة لهذا النوع من الاستثمار بعد إطلاق ما يعرف بـ**”حسابات ترمب”**، وهي حسابات استثمارية مؤجلة الضرائب مخصصة للأطفال والقاصرين.
وتسمح هذه الحسابات لأي شخص بإيداع الأموال لصالح طفل، على أن تؤول ملكية الحساب بالكامل إليه عند بلوغه السن القانونية.
ولتشجيع المشاركة، قدمت الحكومة الأمريكية مساهمة أولية بقيمة 1000 دولار للأطفال المولودين خلال فترة ولاية الرئيس دونالد ترمب، كما أعلنت شركات ورجال أعمال مساهمات إضافية لدعم هذه الحسابات.
ومن أبرز المبادرات، تبرع الرئيس التنفيذي لشركة ديل، مايكل ديل، بمبلغ 6.25 مليارات دولار لدعم البرنامج، فيما تعهدت شركات مثل غولدمان ساكس وإنتل ومورغان ستانلي بإيداع ألف دولار إضافية في حسابات أبناء موظفيها.
وتفرض هذه الحسابات بعض القيود، إذ يجب استثمار الأموال في صناديق مؤشرات منخفضة التكلفة ومتداولة في البورصة، مع سقف للإيداعات يبلغ 5000 دولار سنويًا.
بريطانيا تقدم حسابات استثمار معفاة من الضرائب
في المملكة المتحدة، يعد حساب Junior ISA من أشهر أدوات الادخار والاستثمار للأطفال، حيث يسمح بإيداع ما يصل إلى 9000 جنيه إسترليني سنويًا مع إعفاء كامل من الضرائب.
كما توفر المؤسسات المالية البريطانية خيارات أخرى، تشمل:
- حسابات استثمار في الأسهم والسندات للأطفال دون 18 عامًا.
- حسابات تقاعد يمكن فتحها للأطفال منذ سن مبكرة.
- صناديق ائمانية مخصصة للقاصرين، يمكن استخدامها لمصلحتهم قبل بلوغهم سن الرشد، مع انتقال ملكيتها إليهم عند بلوغ 18 عامًا.
تجارب عربية بدأت في التوسع
رغم أن الاستثمار للأطفال لا يزال أقل انتشارًا في العالم العربي مقارنة بالأسواق الغربية، فإن عدداً من المؤسسات المالية بدأ في إطلاق برامج مخصصة لهذه الفئة.
ومن أبرز الأمثلة:
- قطر: يقدم بنك قطر الإسلامي حسابات توفير للأطفال عبر برنامج “جنيورز” لتعزيز الثقافة المالية منذ الصغر.
- مصر: يوفر البنك التجاري الدولي (CIB) وعدد من البنوك حسابات للشباب بين 15 و21 عامًا، من بينها حساب “بداية”.
- السعودية: يقدم بنك التنمية الاجتماعية برنامج “زود الأجيال الادخاري” بالتعاون مع عدد من البنوك، مثل مصرف الراجحي وبنك الرياض والبنك العربي، لمساعدة الأسر على ادخار مبالغ شهرية لأبنائها.
- المغرب: يوفر بنك أفريقيا برنامجًا لتمويل التعليم وبناء رأس مال يساعد الأسر على تغطية تكاليف الدراسة الجامعية أو دعم الأبناء عند بدء حياتهم العملية.
أهمية الاستثمار المبكر
يؤكد المختصون أن الاستثمار للأطفال لا يقتصر على تنمية الأموال فحسب، بل يسهم أيضًا في ترسيخ مفاهيم الادخار والانضباط المالي واتخاذ القرارات الاستثمارية منذ سن مبكرة.
كما يمكن أن يساعد هذا النوع من الحسابات في تمويل الدراسة الجامعية، أو شراء أول منزل، أو بدء مشروع خاص عند بلوغ الأبناء سن الرشد، ما يمنحهم انطلاقة مالية أكثر استقرارًا.
ورغم التطور الملحوظ في بعض الدول العربية، يرى خبراء أن المجال لا يزال بحاجة إلى مزيد من المبادرات والمنتجات المالية، إضافة إلى حوافز ضريبية وتشريعية تشجع الأسر على الاستثمار طويل الأجل لصالح أبنائها، بما يسهم في رفع معدلات الادخار وتعزيز الثقافة المالية في المجتمعات العربية.





