الجوع يشتد في دارفور.. وفرة الغذاء لا تعني قدرة السكان على شرائه

في منزل متواضع بمنطقة طويلة غربي السودان، يعيش النازح مختار سعيد وأطفاله الخمسة على وجبات بسيطة بالكاد تسد الجوع، بعدما أجبرته الحرب على مغادرة مدينة الفاشر قبل عامين.
ويقول سعيد إن وجبة الإفطار أصبحت تعتمد في معظم الأيام على الدقيق والماء، مع إضافة بصلة وقليل من الزيت عندما يتوفر، مشيرا إلى أن هذه الوجبة لا تمنح أطفاله ما يكفي من الغذاء والطاقة لممارسة حياتهم الطبيعية.
ويضيف أن أسرته كانت قبل الحرب قادرة على تناول الطعام الذي ترغب فيه، لكن الظروف الحالية جعلت حتى الحصول على رغيف خبز أمرا صعبا، بينما أصبح اللحم والدجاج والخضراوات من المواد التي لا تستطيع الأسرة تحمل تكلفتها.
أزمة إنسانية تتفاقم في دارفور
وتحذر المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور من اقتراب الإقليم من أزمة إنسانية أكثر حدة، بالتزامن مع دخول موسم الخريف والمخاوف من ضعف الإنتاج الزراعي نتيجة قلة الأمطار.
ويقول المتحدث باسم المنسقية آدم رجال إن الأسواق في دارفور لا تعاني بالضرورة من غياب المواد الغذائية، وإنما من انهيار القدرة الشرائية للسكان.
وأوضح أن المواد الغذائية متوفرة في الأسواق، لكن أسعارها أصبحت بعيدة عن متناول معظم الأسر، في ظل تراجع قيمة العملة وارتفاع تكاليف النقل والوقود واستمرار الاضطرابات الأمنية.
أسعار الغذاء تتجاوز قدرة الأسر
وتظهر الأسعار في أسواق قولو ونيرتتي بجبل مرة حجم الضغوط التي تواجه السكان.
فقد وصل سعر كيلة الذرة، التي تزن نحو 4 كيلوغرامات، إلى 12 ألف جنيه سوداني في قولو، بينما بلغ نحو 10 آلاف جنيه في نيرتتي. كما تراوح سعر كيلوغرام اللحم بين 12 و20 ألف جنيه في قولو، وبين 10 و15 ألف جنيه في مناطق أخرى.
وبلغ سعر رطل السكر نحو 3 آلاف جنيه، في حين وصلت زجاجة الزيت إلى 5 آلاف جنيه، بينما بلغ سعر قطعة الصابون ورطل الملح نحو ألفي جنيه لكل منهما.
ولا تقتصر الأزمة على ارتفاع الأسعار، إذ تضررت الماشية التي كانت تمثل مصدرا رئيسيا للغذاء والدخل بالنسبة إلى كثير من الأسر، نتيجة شح المراعي ونقص الأعلاف ونفوق أعداد كبيرة منها.
لماذا تتوفر السلع ويستمر الجوع؟
تعكس أسواق دارفور مفارقة واضحة؛ إذ يمكن رؤية أكوام الحبوب والمواد الغذائية في الأسواق، في وقت تعجز فيه الأسر عن شراء احتياجاتها الأساسية.
ويرتبط ذلك بعدة عوامل، أبرزها الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه السوداني، وارتفاع تكاليف نقل السلع بسبب تدهور الوضع الأمني وغلاء الوقود، إضافة إلى توقف مصادر الدخل التقليدية التي تعتمد عليها الأسر، وفي مقدمتها الزراعة والرعي.
كما ساهمت الحرب في تعطيل النشاط الاقتصادي وإضعاف القدرة على الإنتاج، الأمر الذي جعل الكثير من السكان يعتمدون على الأسواق في الحصول على الغذاء في الوقت الذي فقدوا فيه مصادر الدخل التي تمكنهم من الشراء.
ويقول أحد التجار في سوق قولو إن البضائع موجودة بالفعل، لكن حجم المبيعات تراجع بصورة كبيرة، موضحا أن ارتفاع تكلفة نقل السلع من مناطق الإنتاج إلى الأسواق جعل التجار غير قادرين على بيعها بالأسعار القديمة.
طلاب بلا وجبات كافية
ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند الأسر، بل امتدت إلى المؤسسات التي توفر الغذاء للنازحين والأطفال.
وفي إحدى خلاوي تحفيظ القرآن بجبل مرة، يواجه الشيخ أحمد عبد الرحمن صعوبة في توفير الطعام لنحو 150 طالبا، بينهم أيتام وأطفال نازحون.
ويقول إن الخلوة كانت توفر ثلاث وجبات يوميا للطلاب، لكنها باتت عاجزة في كثير من الأحيان عن تقديم أكثر من وجبة واحدة، بينما أصبحت مواد مثل الدقيق والزيت والسكر والذرة شديدة الكلفة.
ويشير إلى أن نقص الغذاء انعكس على صحة الأطفال، مع انتشار أمراض مثل الحصبة والملاريا والإسهال، في ظل محدودية الأدوية والإمكانات الطبية اللازمة لعلاجهم.
أرقام تنذر بكارثة غذائية
وتأتي هذه الظروف في وقت حذّر فيه تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، صدر في 23 يوليو/تموز 2026، من أن 638 ألف شخص يواجهون مستويات كارثية من الجوع في السودان، بينما يوجد نحو 8.1 ملايين آخرين على حافة المجاعة.
وأشار التقرير إلى اتساع رقعة المجاعة لتشمل ثلاثة مخيمات للنازحين في شمال دارفور، هي زمزم وأبوشوك والسلام، إلى جانب انتشار مستويات شديدة من انعدام الأمن الغذائي بين النازحين والمجتمعات المقيمة في جبال النوبة بجنوب كردفان.
وقال جان مارتن باور، مدير تحليل الأمن الغذائي والتغذية في برنامج الأغذية العالمي، إن السودان يواجه مجاعة ممتدة، محذرا من أن نقص الغذاء والرعاية الصحية يدفع السكان إلى الضعف ويعرض حياتهم للخطر.
المساعدات تتراجع والاحتياجات تتزايد
وتزداد صعوبة الوضع مع تراجع التمويل المخصص للمساعدات الإنسانية، إذ أعلن برنامج الأغذية العالمي في يوليو/تموز أن السودان يواجه خطر الانزلاق إلى مستويات أعمق من الجوع بسبب استمرار الحرب وتراجع تمويل الإغاثة وارتفاع تكاليف الزراعة.
واضطر البرنامج إلى تقليص عدد المستفيدين من المساعدات من نحو 5 ملايين شخص قبل عام إلى حوالي 3.5 ملايين، كما خُفضت الحصص الغذائية في عدد من المناطق، من بينها طويلة في دارفور.
ويواجه البرنامج عجزا تمويليا يقدر بنحو 646 مليون دولار، في وقت تتسع فيه الاحتياجات الإنسانية وتتراجع قدرة الأسر على تأمين الغذاء من مصادرها الخاصة.
وهكذا لا تكمن مأساة دارفور في غياب الطعام عن الأسواق فحسب، بل في انهيار القدرة على الوصول إليه، بعدما اجتمعت الحرب وتراجع قيمة العملة وارتفاع تكاليف النقل وانهيار مصادر الدخل ونقص المساعدات لتضع ملايين السودانيين أمام أزمة غذائية تتجاوز حدود الفقر إلى خطر المجاعة.





