تماسيح النيل في السودان.. هل يقف سد النهضة وراء تصاعد الهجمات على البشر؟

لطالما كان وجود تماسيح النيل في مياه السودان أمرا طبيعيا بحكم البيئة التي توفرها الأنهار والمسطحات المائية، لكن تصاعد التقارير عن مشاهدتها بأعداد كبيرة ووقوع هجمات على السكان أعاد طرح تساؤلات بشأن أسباب هذا التغير.
وخلال الفترة الأخيرة، شهدت مناطق مختلفة على امتداد نهر النيل حوادث أثارت القلق، كان من أبرزها هجوم تمساح على المزارع الشاب عمر محمد عبد الخالق أثناء عمله بالقرب من المياه في جزيرة صاي شمال السودان، إلى جانب رصد أعداد كبيرة من التماسيح في منطقة الكلاكلة جنوب العاصمة الخرطوم.
وبينما يربط علماء سلوك التماسيح عادة بين زيادة الهجمات وبين توافر الغذاء ومواسم التكاثر وتغير مناسيب المياه، ظهرت فرضية أخرى تضع سد النهضة الإثيوبي في دائرة النقاش، باعتباره أحد المتغيرات التي طرأت على منظومة نهر النيل خلال السنوات الأخيرة.
لكن هذه الفرضية لا تحظى بإجماع الخبراء، إذ يرى بعض الباحثين أن الربط بين السد والهجمات يحتاج إلى أدلة ميدانية مباشرة، في حين يعتقد آخرون أن تأثير السد، إن وجد، قد يكون غير مباشر من خلال تغيير الظروف البيئية أو حركة الأسماك أو أنماط استخدام البشر للنهر.
سد النهضة.. متغير يحتاج إلى الدراسة
يرى الدكتور كورماك برايس، الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه بمجال الصحة البيئية للزواحف في جامعة نورث ويست بجنوب أفريقيا، أن من الصعب تجاهل التأثيرات المحتملة للمشروعات المائية الضخمة على النظم البيئية المحيطة بها.
ويشير إلى أن إنشاء سد بهذا الحجم يمكن أن يؤثر في حركة وسلوك وأعداد العديد من الكائنات البرية والمائية وشبه المائية، ومن بينها التماسيح، خصوصا أن حياتها ترتبط ارتباطا وثيقا بالتغيرات الموسمية في مستويات المياه.
وتعتمد التماسيح على دورات ارتفاع وانخفاض منسوب المياه في عدد من مراحل حياتها، بما في ذلك اختيار مواقع التعشيش، ونجاح فقس البيوض، وانتقال الصغار إلى المياه.
وبالتالي، فإن تغيير توقيت الفيضانات أو شدتها نتيجة تشغيل السدود يمكن أن يؤدي إلى تغيرات في هذه العمليات، وهو ما أظهرته دراسات تناولت تأثير السدود الكهرومائية على التماسيح في مناطق مختلفة من العالم.
كما أن السدود لا تؤثر في التماسيح بصورة مباشرة فقط، وإنما يمكن أن تغير البيئة التي تعتمد عليها فرائسها. فقد أظهرت مراجعات علمية واسعة أن السدود قد تعيق هجرة الأسماك، وتؤثر في أعداد بعض الأنواع، وتغير تركيبة المجتمعات السمكية، فضلا عن تقليل الاتصال بين مناطق التغذية والتكاثر.
وهذه التغيرات قد تنعكس بدورها على الحيوانات المفترسة التي تعتمد على الأسماك، ومنها تماسيح النيل.
ومع ذلك، يؤكد برايس أن طبيعة التأثير تختلف من سد إلى آخر، بحسب طريقة تشغيله وخصائص النهر والبيئة المحيطة ونوع التمساح، ولذلك لا يمكن الجزم بأن سد النهضة تسبب مباشرة في ارتفاع الهجمات بالسودان دون إجراء دراسات ميدانية متخصصة.
التغذية والتكاثر.. التفسير التقليدي للهجمات
في المقابل، يرفض الدكتور جون سيبت بينانسيو، من قسم علوم مصايد الأسماك بكلية الموارد الطبيعية والدراسات البيئية في جامعة جوبا بجنوب السودان، الربط بين سد النهضة وزيادة هجمات التماسيح.
ويؤكد أن خبرته الميدانية تشير إلى أن سلوك تماسيح النيل يرتبط بدرجة أكبر بالمواسم وتوافر الغذاء ودورات التكاثر.
فعندما ترتفع مناسيب المياه خلال موسم الفيضان، تتسع السهول الفيضية وتصبح بيئة غنية بالأسماك التي تنتقل إليها خلال مواسم التكاثر، وهو ما يجذب التماسيح بحثا عن الغذاء.
وفي الوقت نفسه، يتجه الصيادون إلى المناطق نفسها لنصب شباكهم والاستفادة من وفرة الأسماك، الأمر الذي يخلق احتكاكا متزايدا بين الإنسان والحيوان.
ولا يقتصر الأمر على الصيادين، إذ قد تتجه المواشي والرعاة أيضا إلى مصادر المياه خلال فترات مختلفة من العام، ما يزيد عدد نقاط التماس بين البشر والتماسيح.
أما في موسم الجفاف، فتتراجع مناسيب المياه وتصبح الفرائس أقل انتشارا في المناطق الضحلة والسهول الفيضية، بينما تعود العديد من أنواع الأسماك إلى مجرى النهر الرئيسي.
ويؤدي نقص الغذاء في بعض المناطق إلى دفع التماسيح للبحث عن مصادر بديلة، بما في ذلك الاقتراب من البشر والماشية.
وبناء على ذلك، يرى بينانسيو أن التغيرات الموسمية الطبيعية كافية لتفسير جزء كبير من ارتفاع احتمالات الهجمات، دون الحاجة إلى إرجاعها إلى سد النهضة.
هل يمكن أن يكون تأثير السد غير مباشر؟
رغم استبعاد العلاقة المباشرة بين سد النهضة والهجمات، يرى بعض الباحثين أن تأثير السد قد يكون موجودا بصورة غير مباشرة.
ويطرح الدكتور لوكا لويسيلي، الأستاذ المتفرغ بمعهد التنمية البيئية والحفاظ والتعاون في إيطاليا، فكرة مختلفة تقوم على أن معدل هجمات التماسيح يرتبط بدرجة كبيرة بمقدار استخدام البشر للمناطق المائية التي تعيش فيها هذه الحيوانات.
وبحسب هذه الرؤية، قد لا يكون السد قد جعل التماسيح أكثر عدوانية، وإنما ربما ساهمت التغيرات المرتبطة بالمياه في زيادة عدد الأشخاص الذين يستخدمون المسطح المائي للعمل أو الصيد أو الحصول على المياه.
وتشير دراسات سلوكية إلى أن التماسيح ليست حيوانات ثابتة، بل قادرة على الانتقال لمسافات طويلة بين الموائل المختلفة استجابة لتغيرات المياه وتوافر الغذاء والظروف البيئية.
ومن ثم، فإن أي تغير هيدرولوجي كبير يمكن أن يعيد توزيع أماكن وجودها، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة فرص التقاء الإنسان بها في بعض المناطق.
الحرب في السودان عامل إضافي
لا يقتصر تفسير ارتفاع الاحتكاك بين البشر والتماسيح على السدود والتغيرات الطبيعية، إذ يرى لويسيلي أن الحرب المستمرة في السودان قد تكون عاملا مهما أيضا.
فالنزاعات المسلحة تؤدي في كثير من الأحيان إلى تدمير شبكات المياه أو تعطيلها، ما يدفع السكان إلى الاعتماد بصورة أكبر على الأنهار والمسطحات المائية لتلبية احتياجاتهم اليومية.
وبالتالي، فإن ارتفاع أعداد الأشخاص الذين يقتربون من موائل التماسيح يمكن أن يؤدي، حتى من دون حدوث أي تغير في سلوك الحيوانات، إلى زيادة احتمالات وقوع الحوادث.
وهذه الفرضية لا تعني وجود علاقة مثبتة بين الحرب والهجمات في السودان، لكنها تقدم عاملا إضافيا يستحق البحث، خصوصا في ظل الظروف الإنسانية والأمنية المعقدة التي يعيشها البلد.
الصراع على الأسماك يزيد الاحتكاك
ويتفق الدكتور دانييلي دندي، نائب رئيس معهد التنمية البيئية والحفظ والتعاون، مع هذه الرؤية، معتبرا أن جوهر المشكلة يكمن في التنافس على الموارد الطبيعية.
فالتماسيح والصيادون يتشاركون الموائل نفسها، وكلاهما يعتمد بصورة أساسية على الأسماك، في حين يحتاج الرعاة إلى المياه لسقي مواشيهم.
وكلما زادت كثافة النشاط البشري في منطقة توجد فيها التماسيح، ارتفعت احتمالات المواجهة.
كما أن أنشطة الصيد نفسها يمكن أن تؤثر في التماسيح من خلال إصابتها بشباك الصيد أو اصطياد صغارها، ما قد يزيد من التوتر بين الإنسان والحيوان.
وتصبح المشكلة أكثر تعقيدا عندما تتقلص المساحات المناسبة التي يمكن أن تتوزع فيها الأنشطة البشرية والحياة البرية، إذ يؤدي ذلك إلى زيادة احتمالات استخدام النوعين للمناطق نفسها.
هل جاءت التماسيح من بحيرة سد النهضة؟
من بين الفرضيات المطروحة أيضا احتمال انتقال بعض التماسيح من بحيرة سد النهضة إلى مجرى النيل، وهو ما يرى الدكتور بيفين أوتيتي، الأستاذ المشارك في قسم المياه العذبة والحياة البرية بجامعة تشينهوي للتكنولوجيا في زيمبابوي، أنه يستحق البحث.
فالبحيرات الاصطناعية الكبيرة التي تتشكل خلف السدود يمكن أن توفر في بعض الحالات موائل مناسبة لتماسيح النيل، كما حدث في مناطق أخرى من أفريقيا.
غير أن هذه الفرضية تواجه اعتراضات من خبراء آخرين، إذ يرون أن توربينات السد تشكل عائقا أمام انتقال التماسيح من البحيرة إلى مجرى النهر.
وبالتالي، فإن وجود أعداد كبيرة من التماسيح داخل بحيرة السد لا يعني بالضرورة قدرتها على الوصول إلى السودان عبر مجرى النيل.
بوابات التصريف تفتح فرضية جديدة
ويشير الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، إلى سيناريو مختلف يتعلق ببوابات المفيض.
فبحسب شراقي، شهد شهرا سبتمبر وأكتوبر من العام الماضي فتح خمس بوابات لتصريف كميات كبيرة من المياه من بحيرة سد النهضة، في إطار الاستعداد لاستقبال مياه موسم الفيضان، وهو ما تزامن مع حدوث فيضانات في السودان.
ويرى أن احتمال انتقال بعض التماسيح مع المياه لا يمكن استبعاده تماما في هذه الحالة، خصوصا إذا كانت مناسيب البحيرة مرتفعة وتم تصريف كميات كبيرة عبر البوابات.
ويضيف أن توربينات السد لم تكن تعمل في ذلك الوقت بكامل طاقتها، وهو ما أدى إلى بقاء منسوب المياه في البحيرة عند مستويات مرتفعة، قبل اللجوء إلى تصريف كميات إضافية.
وبناء على ذلك، يرى شراقي أن تشغيل التوربينات بصورة منتظمة وبطاقتها الكاملة يمكن أن يقلل بعض المشكلات المرتبطة بحركة المياه وانتقال الكائنات، إذا ثبت بالفعل أن هذا المسار لعب دورا في وصول التماسيح إلى مجرى النيل.
لا إجابة حاسمة حتى الآن
رغم تعدد الفرضيات، لا توجد حتى الآن أدلة علمية كافية تثبت أن سد النهضة هو السبب المباشر في زيادة هجمات التماسيح على البشر في السودان.
فالخبراء يتفقون على أن توافر الغذاء، ومواسم التكاثر، وتغير مناسيب المياه، وحركة الأسماك، وكثافة النشاط البشري، كلها عوامل مؤثرة في سلوك تماسيح النيل واحتمالات اقترابها من البشر.
وفي المقابل، لا يستبعد بعض الباحثين أن يكون سد النهضة قد أحدث تغيرات بيئية أو هيدرولوجية انعكست بصورة غير مباشرة على توزيع التماسيح وفرائسها، أو على المناطق التي يستخدمها السكان.
ولهذا فإن حسم المسألة يتطلب دراسات ميدانية طويلة الأمد تتبع حركة التماسيح بالأجهزة الحديثة، وتقارن أعدادها وتوزيعها قبل وبعد التغيرات التي طرأت على النهر، إلى جانب دراسة حركة الأسماك ومناسيب المياه وأنماط استخدام السكان للضفاف.
وفي انتظار هذه الدراسات، يبقى التفسير الأكثر حذرا هو أن زيادة الهجمات قد تكون نتيجة تداخل مجموعة من العوامل الطبيعية والبشرية، وليس عاملا واحدا يمكن تحميله المسؤولية وحده.





