دولية

«حجارة الجوع» تظهر مجددا في أوروبا وتكشف تداعيات الجفاف على ألمانيا

مع تراجع منسوب المياه في عدد من الأنهار بوسط أوروبا، ظهرت مجددا ما تعرف بـ**«حجارة الجوع»**، وهي صخور كانت تظهر قديما في قيعان الأنهار خلال فترات الجفاف الشديد، وتحمل نقوشا تحذر من سنوات القحط ونقص المياه وما قد يرافقها من أزمات غذائية.

ومن بين العبارات المنقوشة على هذه الحجارة عبارات مثل «إذا رأيتموني فابكوا» و«لقد بكينا وأنتم ستبكون»، وهي تعكس المخاوف التي ارتبطت تاريخيا بانخفاض مناسيب الأنهار وتأثير ذلك على الزراعة والنقل وإمدادات الغذاء.

لكن ظهور هذه الحجارة خلال صيف العام الحالي لا يعني أن ألمانيا مقبلة على مجاعة، إذ إن الظروف الاقتصادية والغذائية الحالية تختلف جذريا عن تلك التي عاشها سكان أوروبا قبل قرون. وتمتلك ألمانيا منظومة غذائية واقتصادية متطورة تمكنها من التعامل مع أزمات الجفاف ونقص المياه.

حجارة تعود إلى قرون من الجفاف

تكتسب «حجارة الجوع» أهميتها من ارتباط ظهورها تاريخيا بفترات الجفاف الحادة التي كانت تؤثر في حياة السكان على ضفاف الأنهار الأوروبية.

ويعد أحد أشهر هذه الأحجار موجودا على الضفة اليسرى لنهر إلبه، بين منطقة ديتش في التشيك ومدينة بيرنا الألمانية، ويحمل نقشا يعود إلى عام 1616.

ومع انخفاض مناسيب الأنهار، تصبح هذه الأحجار مرئية مجددا بعد أن كانت مغمورة بالمياه، وهو ما يجعل ظهورها مؤشرا بصريا واضحا على حجم التراجع في مستويات المياه.

وقد ظهرت هذه الظاهرة بصورة لافتة في أعوام 2018 و2022 و2026، الأمر الذي جعل الحجارة تتحول تدريجيا من مجرد آثار تاريخية إلى رمز يرتبط بالجفاف والتغير المناخي.

الجفاف يضغط على حركة النقل

ورغم أن ظهور «حجارة الجوع» لا يمثل نذيرا بمجاعة في ألمانيا، فإن انخفاض مناسيب الأنهار بدأ بالفعل يفرض تداعيات اقتصادية ملموسة، خصوصا على حركة نقل البضائع عبر نهر الراين.

ونقلت وسائل إعلام ألمانية عن توماس بولس، المسؤول عن قسم دراسات النقل والبنية التحتية في معهد الاقتصاد الألماني، أن نقل البضائع أصبح أكثر تكلفة في ظل انخفاض مستويات المياه.

وارتفعت تكاليف نقل البضائع من منطقة الراين باتجاه ميناء روتردام إلى نحو أربعة أضعاف، نتيجة اضطرار السفن إلى الإبحار بحمولات أقل بكثير بسبب انخفاض عمق النهر.

ومع استمرار تراجع المياه، يزداد خطر تعرض طرق النقل النهرية عبر الراين إلى مزيد من القيود، في وقت لا تستطيع فيه الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية استيعاب جميع الكميات التي يجري نقلها عبر النهر.

وتعني محدودية البدائل أن تحويل جزء من حركة البضائع إلى وسائل النقل الأخرى سيكون مكلفا، وهو ما دفع بعض الشركات إلى التفكير في تقليص الإنتاج نتيجة صعوبات الإمداد وارتفاع التكاليف.

الوقود والغذاء في دائرة التأثير

لا تقتصر تداعيات انخفاض منسوب الراين على قطاع النقل، إذ يمكن أن تمتد آثار الأزمة إلى أسعار السلع التي تعتمد سلاسل توريدها على النقل النهري.

ويبرز الوقود بشكل خاص، نظرا للدور المهم الذي يؤديه النقل عبر الأنهار في إمدادات الطاقة، الأمر الذي يجعل أي ارتفاع في تكاليف الشحن قابلا للانتقال بسرعة إلى المستهلكين.

وبالفعل، بدأت أسعار الوقود في المناطق القريبة من نهر الراين تسجل مستويات أعلى مقارنة بمناطق أخرى في ألمانيا، بينما يواجه قطاع البناء بدوره احتمالات ارتفاع إضافي في التكاليف بسبب اضطرابات نقل المواد الخام والبضائع.

الجفاف يصل إلى رفوف المتاجر

بدأت آثار الجفاف تظهر أيضا في القطاع الزراعي، مع ارتفاع أسعار عدد من الخضراوات الطازجة والمحاصيل المزروعة في الحقول المفتوحة نتيجة تراجع المعروض.

وتشمل المنتجات المتأثرة أنواعا من الخس والخضراوات الورقية، إضافة إلى بعض أصناف الملفوف مثل البروكلي والقرنبيط والجزر، فضلا عن البطاطس التي تأثرت بالظروف المناخية الصعبة.

وتواجه المزارع الألمانية تحديا متزايدا يتمثل في ضرورة التكيف مع الظروف المناخية الجديدة، وهو ما دفع العديد من المزارعين إلى إعادة النظر في أساليب الزراعة التقليدية.

وتشمل إجراءات التكيف استخدام أصناف نباتية أكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية المتغيرة، إلى جانب زراعة أنواع متعددة من المحاصيل بهدف توزيع المخاطر وتقليل الخسائر في حال تعرض محصول معين لظروف جوية قاسية.

من الإنكار إلى التعايش مع الواقع المناخي

ولا تقتصر المخاوف المرتبطة بالجفاف على الجوانب الاقتصادية، إذ بدأت الظاهرة تثير نقاشا سياسيا ومجتمعيا حول مدى استعداد ألمانيا للتعامل مع تغير المناخ.

وترى مجلة «دير شبيغل» أن النقاش الألماني بشأن المناخ وصل إلى مرحلة يمكن وصفها بـ«القبول بالواقع»، مستعينة بالنموذج الشهير الذي يصف خمس مراحل يمر بها الإنسان عند مواجهة فكرة الموت: الإنكار، والغضب، والمساومة، والاكتئاب، ثم القبول.

وبحسب هذا الطرح، فإن ألمانيا باتت تتعامل بصورة متزايدة مع الظروف المناخية المتطرفة باعتبارها واقعا جديدا، بدلا من النظر إليها باعتبارها ظواهر استثنائية مؤقتة.

وتشير المجلة إلى أن ما حذر منه علماء المناخ على مدى عقود أصبح أكثر وضوحا خلال هذا الصيف، من ارتفاع درجات الحرارة إلى الجفاف وتراجع مناسيب الأنهار، بينما لا تزال الاستجابة السياسية والمجتمعية، في نظر منتقدين، أقل من مستوى التحدي.

وهكذا، فإن «حجارة الجوع» التي تظهر من قيعان الأنهار لا تتنبأ بمجاعة وشيكة في ألمانيا، لكنها تقدم صورة رمزية قوية عن تغير الظروف المناخية. فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في النقوش القديمة ذاتها، وإنما في أن الجفاف أصبح قادرا على التأثير في النقل والطاقة والزراعة وأسعار الغذاء، وهي قطاعات تمس الحياة اليومية بصورة مباشرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى