طفرة الذكاء الاصطناعي تدفع شركات الرقائق إلى قمم تاريخية.. هل تتكرر فقاعة “دوت كوم”؟

أحدثت ثورة الذكاء الاصطناعي تحولًا غير مسبوق في صناعة أشباه الموصلات، لتصبح شركات الرقائق والذواكر من أكبر المستفيدين من موجة الاستثمار العالمية في تقنيات الذكاء الاصطناعي، حتى إن شركة إس كيه هاينكس الكورية الجنوبية انضمت مؤخرًا إلى نادي الشركات التي تتجاوز قيمتها السوقية تريليون دولار، وفقًا لتقرير لوكالة رويترز.
وبذلك أصبحت الشركة ثاني شركة متخصصة في الرقائق الإلكترونية تبلغ هذا المستوى بعد إنفيديا، التي دخلت النادي في مايو/أيار 2023 بفضل الطلب المتزايد على معالجاتها المستخدمة في تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
إنفيديا تتصدر المشهد
تواصل إنفيديا ترسيخ مكانتها كأكبر شركة في قطاع أشباه الموصلات، بعدما تجاوزت قيمتها السوقية خمسة تريليونات دولار، في حين ارتفعت أرباحها بأكثر من 60% مقارنة بالعام الماضي، بحسب أحدث نتائجها المالية.
وتشير بيانات صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى أن سبع شركات من بين أكبر 25 شركة في العالم تنتمي حاليًا إلى قطاع الرقائق وأشباه الموصلات، وهو ما يعكس التحول الكبير الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في أسواق التكنولوجيا.
ورغم هذه الطفرة، لا تزال المؤسسات المالية تحذر من احتمالية تشكل فقاعة استثمارية في القطاع، في ظل الارتفاع السريع للإنفاق على تقنيات الذكاء الاصطناعي دون وضوح كامل بشأن العوائد المستقبلية.
النمو يشمل سلسلة الإمداد بأكملها
لم تقتصر المكاسب على الشركات المطورة للمعالجات، بل امتدت إلى مختلف الشركات التي تشارك في سلسلة تصنيع الرقائق.
وتبرز إس كيه هاينكس مثالًا واضحًا على ذلك، إذ تعد من أكبر منتجي ذواكر النطاق الترددي العالي (HBM)، التي أصبحت عنصرًا أساسيًا في تشغيل معالجات الذكاء الاصطناعي الحديثة، إلى جانب استمرارها في إنتاج ذواكر موجهة لأسواق المستهلكين.
كما ساهم الطلب المتزايد على هذه الذواكر في ارتفاع أسعار العديد من المنتجات التقنية، بما في ذلك الحواسيب الشخصية وأجهزة الألعاب مثل “بلاي ستيشن 5”.
مايكرون تغير إستراتيجيتها بالكامل
في ظل هذا الطلب الهائل، أعلنت شركة مايكرون الأمريكية خلال العام الماضي إيقاف إنتاج الذواكر المخصصة للمستهلكين، وتوجيه كامل طاقتها الإنتاجية نحو تلبية احتياجات مراكز البيانات وشركات الذكاء الاصطناعي.
وساهم هذا التحول في تعزيز مكانة الشركة عالميًا، لتنضم إلى قائمة أكبر 25 شركة من حيث القيمة السوقية، بعدما احتلت المرتبة الثانية والعشرين وفقًا لتقرير “وول ستريت جورنال”.
وتضم القائمة أيضًا شركة إيه إس إم إل (ASML) الهولندية، المتخصصة في تصنيع أجهزة الطباعة الضوئية المستخدمة لإنتاج الرقائق الإلكترونية، والتي جاءت ضمن أكبر عشرين شركة عالميًا.
وفي السياق ذاته، تستعد سامسونغ لإنشاء مصنع جديد في فيتنام باستثمارات تتجاوز 1.5 مليار دولار لإنتاج الذواكر الإلكترونية، في خطوة تعكس استمرار التوسع في القطاع.
استثمارات قد تتجاوز فقاعة الإنترنت
تشير التقديرات إلى أن حجم الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز ما شهده العالم خلال طفرة شركات الإنترنت في أواخر التسعينيات.
ومن المتوقع أن يبلغ حجم الاستثمارات نحو 800 مليار دولار خلال العام الجاري، قبل أن يرتفع إلى 1.12 تريليون دولار في العام المقبل، مقارنة بنحو 260 مليار دولار فقط في عام 2024، وهو ما يمثل نموًا سنويًا يقترب من 17%.
ويرى محللون أن استمرار هذه الوتيرة يعتمد على قدرة السوق على تحقيق طلب فعلي يبرر هذه الاستثمارات الضخمة، خاصة مع التوسع السريع في بناء مراكز البيانات وتمويل المشاريع الجديدة.
الربحية لا تزال التحدي الأكبر
ورغم ضخ مليارات الدولارات في تطوير الذكاء الاصطناعي، فإن العديد من الشركات العاملة في هذا المجال لم تحقق بعد أرباحًا مستدامة.
وتعد شركة أوبن إيه آي أبرز الأمثلة، إذ تشير تقارير إلى أنها قد تتحمل خسائر ضخمة خلال السنوات المقبلة قبل الوصول إلى نقطة التعادل وتحقيق الأرباح، إذا نجحت في تنفيذ خططها المستقبلية.
ويستحضر هذا الوضع تجربة شركة أمازون، التي استمرت في تسجيل خسائر لعدة سنوات بعد تأسيسها، قبل أن تحقق أول أرباحها التشغيلية مطلع الألفية الجديدة.
في المقابل، تقترب شركة أنثروبيك من تسجيل أول أرباح تشغيلية لها، مع توقعات بتحقيق أرباح تتجاوز نصف مليار دولار خلال الربع الثاني من العام الجاري.
كما تستعد كل من أوبن إيه آي وأنثروبيك لطرح أسهمهما في البورصة الأمريكية، وسط تقديرات قد تمنح أوبن إيه آي قيمة سوقية تقترب من تريليون دولار.
شركات الرقائق أقل تعرضًا للمخاطر
على الرغم من المخاوف المتعلقة بفقاعة الذكاء الاصطناعي، يرى محللون أن شركات تصنيع الرقائق وأشباه الموصلات تتمتع بموقع أكثر استقرارًا مقارنة بشركات تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ويعود ذلك إلى أن أعمال هذه الشركات تعتمد على بيع المعالجات والذواكر والبنية التحتية الحاسوبية لمختلف العملاء، بغض النظر عن نجاح أو فشل التطبيقات النهائية، ما يجعل الطلب على منتجاتها أكثر ارتباطًا بتوسع البنية التحتية الرقمية العالمية، وليس فقط بمدى انتشار خدمات الذكاء الاصطناعي بين المستخدمين.





