ثقافة

فواز حداد.. طقوس الكتابة التي تبدأ قبل القلم بساعات

في الثامنة صباحا، كان الروائي السوري فواز حداد قد سبق موعده بثلاث ساعات، وجلس في زاوية هادئة من مقهى «نيرو» في ريتشموند جنوب غربي لندن. كانت النادلة تعرف طلبه المعتاد؛ كوب كابتشينو سيظل إلى جواره ساعات قبل أن يبرد، بينما ينشغل هو بالحاسوب، يعيد قراءة ما كتبه في اليوم السابق ويستعد لمواصلة العمل.

يمضي الوقت ببطء، التاسعة ثم العاشرة، فيما يبقى القلم إلى جوار الكوب من دون أن تمتد إليه يده. بالنسبة إلى حداد، الكتابة لا تبدأ بمجرد الجلوس أمام الصفحة، بل تحتاج إلى طقس طويل من الاستعداد والدخول التدريجي إلى عالم الرواية.

وحين وصل الصحفي إلى المقهى في الحادية عشرة والربع، كان حداد قد بدأ للتو يشعر بأن «الشرارة» التي تقوده إلى الكتابة بدأت تتشكل.

يقول الروائي، الذي يعمل على الكتابة طوال أيام الأسبوع، إن الوقت الذي يقضيه أمام عمله قد يصل إلى خمس ساعات، لكن الكتابة الفعلية لا تستغرق أكثر من ساعتين. أما بقية الوقت فيخصصه لتهيئة نفسه واستعادة أجواء الرواية، وقراءة ما أنجزه في اليوم السابق حتى يجد النقطة التي يمكن أن ينطلق منها مجددا.

ويرى حداد أن الدخول في أجواء العمل الروائي يحتاج إلى عزلة ذهنية تجعله جزءا من العالم الذي يكتبه، وقد تساعده الموسيقى أحيانا على الانفصال عما يحيط به واستعادة مزاج الكتابة.

لحظة انطلاق الرواية

بعد ساعات من القراءة والاستعداد، قد تظهر الفكرة التي تحرك عملية الكتابة، سواء جاءت في صورة جملة أو مشهد أو خاطرة أو فكرة عابرة أثناء مراجعة النص.

عندها، بحسب حداد، تبدأ الشرارة، وتتحول الفكرة إلى مدخل يقوده إلى داخل الرواية، قبل أن ينشغل بها ساعتين أو ثلاثا ويعمل على إدخالها في السياق العام للنص.

هذا الروتين اليومي يعكس علاقة خاصة بين الكاتب وعمله، إذ لا يتعامل حداد مع الكتابة بوصفها وظيفة لها ساعات محددة، بل باعتبارها نمط حياة اختاره لنفسه منذ سنوات.

ولد فواز حداد في دمشق عام 1947، ودرس الحقوق في جامعة دمشق، لكنه لم ينشر روايته الأولى «موزاييك دمشق 39» إلا عام 1991. وانشغلت أعماله بالرصد السياسي والاجتماعي لدمشق وسوريا، وبقضايا السلطة والاعتقال والحرية وتحولات المجتمع.

ووصلت روايته «المترجم الخائن» إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2009، كما قدم أعمالا روائية أخرى من بينها «الضغينة والهوى» و«السوريون الأعداء» و«جنود الله» و«يوم الحساب».

يوم يبدأ قبل المقهى

لا يبدأ يوم حداد من المقهى، فقبل توجهه إلى طاولته المعتادة يستيقظ في السادسة صباحا، ويتناول إفطارا خفيفا ثم يطالع الأخبار ويجمع المواد التي يرى أنها قد تفيده مستقبلا في ملفات مخصصة على جهازه.

ويمارس بعض التمارين الرياضية لفترة قصيرة قبل أن يغادر إلى المقهى، حيث يستقر أمام حاسوبه ويبدأ رحلة أخرى مع الرواية.

ولا يستخدم حداد القلم في كتابة أعماله، بل يعتمد على الحاسوب، وإن كان يطبع بسرعة بطيئة مستخدما إصبعا أو إصبعين فقط. لكنه يرى أن هذه الوتيرة البطيئة تخدمه بدلا من أن تعيقه، لأنها تمنحه مساحة أكبر للتفكير قبل تحويل الفكرة إلى كلمات.

وبعد مغادرة المقهى عند الظهيرة، لا تنتهي علاقته بالرواية. فالشخصيات والأحداث والأفكار تظل حاضرة في ذهنه أثناء تنقله في السيارة أو الحافلة، ويواصل البحث بصورة غير واعية عن كلمة أو تفصيل قد يساعده في حل مشكلة تواجه النص.

ويجد الكاتب أحيانا حلول بعض المعضلات الروائية أثناء المشي، حين تواصل الرواية عملها في ذهنه بعيدا عن شاشة الحاسوب.

من دمشق إلى عالم الرواية

وعندما طُلب من حداد العودة إلى بداياته والحديث عن طفولته ووالديه والبيئة التي نشأ فيها، بدا مترددا أمام التفاصيل، قبل أن يستجيب للحديث عن السنوات الأولى من حياته.

فالرجل الذي جعل من دمشق وسوريا مادة أساسية في مشروعه الروائي، لا يتعامل مع الكتابة باعتبارها ساعات يقضيها أمام الحاسوب فقط، وإنما كحالة ذهنية تستمر معه طوال اليوم.

وبين المقهى والحافلة والمشي والقراءة، تظل الرواية حاضرة، تبحث عن جملة جديدة أو مشهد أو فكرة تفتح طريقا إلى الصفحة التالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى