ثقافة

مجموعة «ذاكرة القدس».. أرشيف بصري يوثق تاريخ فلسطين وتحولاتها منذ القرن التاسع عشر

من صور نادرة التُقطت قبل أكثر من قرن، توثق ملامح القدس ومعالمها التاريخية، إلى مشاهد ترصد تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين والتحولات التي طرأت على مجتمعهم، تقدم مجموعة «ذاكرة القدس» سجلا بصريا غنيا لتاريخ فلسطين المعماري والاجتماعي، يمتد من أواخر القرن التاسع عشر وحتى الوقت الحاضر.

وتعود هذه المجموعة إلى المؤرخ الأردني محمد هاشم غوشة، الذي أمضى سنوات طويلة في جمع الصور والوثائق والبحث في تاريخ القدس وفلسطين، بهدف توثيق مراحل تاريخية متعاقبة، تبدأ بالعهد العثماني، مرورا بالانتداب البريطاني والحكم الأردني، وصولا إلى مراحل المقاومة الفلسطينية والتغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد.

وتضم المجموعة آلاف الصور التاريخية التي اختارها غوشة بعناية، قبل أن تُضاف إلى أرشيف وكالة الأناضول، لتكون متاحة أمام الباحثين والمهتمين بتاريخ القدس وفلسطين، وتسهم في الحفاظ على الذاكرة البصرية للمنطقة.

خمسة مجلدات توثق تاريخ القدس وفلسطين

وفي إطار مشروع توثيقي خاص، عملت وكالة الأناضول على ترجمة المعلومات المرافقة لمجموعة مختارة من الصور، اعتمادا على النسخة العربية الأصلية لكتاب يتألف من خمسة مجلدات، بهدف إتاحة هذه الشواهد التاريخية أمام شريحة أوسع من الجمهور، وضمان بقائها مرجعا للأجيال المقبلة.

ولا يقتصر المشروع على عرض الصور القديمة، بل يقدم قراءة تاريخية ومعمارية واجتماعية لفلسطين، من خلال مشاهد توثق المباني والأحياء والأسواق والمعالم الدينية، إلى جانب تفاصيل الحياة اليومية والعادات والتقاليد التي شكلت هوية المجتمع الفلسطيني عبر العقود.

تجربة التهجير تتحول إلى مشروع لتوثيق الذاكرة الفلسطينية

ويرتبط اهتمام غوشة بتاريخ القدس بتجربة شخصية عاشتها أسرته مع التهجير والابتعاد عن المدينة، إذ اضطرت عائلته إلى مغادرة القدس عام 1954، بعد النكبة التي وقعت عام 1948 وشهدت تهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين قسرا من مدنهم وقراهم، قبل أن تستقر الأسرة في الكويت.

وزادت معاناة العائلة بعد احتلال إسرائيل القدس الشرقية عام 1967، الأمر الذي حال دون عودتها إلى المدينة.

وقال غوشة إن سنوات الغياب عن القدس وفلسطين تركت أثرا مؤلما في حياته، نتيجة عدم القدرة على العودة إلى الوطن، مؤكدا أن ارتباطه بالمدينة لم يكن مجرد ارتباط بالمكان، بل امتد ليشمل الماضي والمستقبل والهوية.

وأضاف أن القدس وفلسطين تمثلان بالنسبة إلى عائلته جذورا تاريخية ووجدانية عميقة، مشيرا إلى أن العودة ظلت متعذرة حتى عام 1994.

ومع تمكنه من العودة في ذلك العام، بدأ غوشة مرحلة جديدة كرّس خلالها وقته وجهده لدراسة المدينة وتوثيق تاريخها ومعالمها، مستندا إلى البحث الميداني والمصادر التاريخية الأصلية.

وأوضح أنه شرع في مشروع يهدف إلى توثيق الآثار التاريخية في القدس، وإعادة تقديم تاريخ المدينة وفلسطين من خلال دراسات ميدانية ووثائق ومصادر أولية جمعها على مدى سنوات.

الحفاظ على التراث مسؤولية تجاه الأجيال المقبلة

ويرى غوشة أن دور المؤرخ لا يقتصر على تسجيل الوقائع والأحداث التاريخية، بل يتجاوز ذلك إلى حماية التراث الحضاري والمعماري وصيانته، وضمان انتقاله إلى الأجيال القادمة.

وأكد أن الحفاظ على التاريخ والتراث الفلسطيني يمثل ضرورة أساسية لصون الهوية الوطنية، مشددا على أن فقدان الذاكرة التاريخية يحرم الأجيال المقبلة من معرفة جذورها وفهم ماضيها.

وأشار إلى إيمانه بعودة الفلسطينيين إلى بلادهم يوما ما، معتبرا أن من حق الأجيال القادمة أن تجد تاريخها وتراثها محفوظين وموثقين، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على عاتق المؤرخين والباحثين.

كما شدد على أهمية نشر الأبحاث والدراسات المتعلقة بالتاريخ الفلسطيني بلغات متعددة، حتى تصل إلى الجامعات ومراكز الدراسات والمؤسسات البحثية في مختلف أنحاء العالم.

وقال إن الفلسطينيين مطالبون بكتابة تاريخهم بأنفسهم والحفاظ على روايتهم التاريخية، والعمل على إيصالها إلى المؤسسات الأكاديمية ومراكز الأبحاث في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها، مؤكدا أن حماية الذاكرة الفلسطينية تمثل معركة أساسية للحفاظ على الهوية والحقوق التاريخية.

ثلاثة عقود من توثيق المعالم الإسلامية والمسيحية

وعلى مدى نحو 30 عاما من البحث والعمل الميداني، تمكن غوشة من توثيق عدد كبير من المعالم التاريخية الإسلامية والمسيحية في القدس وقطاع غزة، من خلال إعداد دراسات ورسومات معمارية تفصيلية للمباني والمواقع الأثرية.

وشملت أعماله إعداد رسومات للواجهات والمقاطع والمخططات الهندسية لمجموعة واسعة من المعالم الفلسطينية، في محاولة لتسجيل تفاصيلها المعمارية قبل تعرض عدد منها للتدمير والأضرار نتيجة الهجمات الإسرائيلية.

ومن أبرز المواقع التي تناولها في دراساته الجامع العمري الكبير ومسجد السيد هاشم في غزة، وهما من المعالم التاريخية التي تحتاج إلى أعمال ترميم، إلى جانب عدد من الكنائس والمساجد، بينها مسجد ابن مروان، فضلا عن الأضرحة والمدارس التاريخية والخانات القديمة المنتشرة في القطاع.

وأوضح غوشة أن توثيق هذه المواقع يمثل جزءا أساسيا من مسؤوليته العلمية، إذ يسعى إلى تقديم دراسات معمارية دقيقة تحفظ خصائصها التاريخية والهندسية، وتوفر سجلا يمكن الاستفادة منه في أعمال الترميم وإعادة التأهيل مستقبلا.

الصور الفوتوغرافية.. ذاكرة تكشف تفاصيل الحياة الفلسطينية

ويولي المؤرخ الأردني اهتماما خاصا بالصور الفوتوغرافية القديمة، باعتبارها مصدرا تاريخيا مهما لا يقل قيمة عن الوثائق المكتوبة، لما توفره من تفاصيل دقيقة حول طبيعة الحياة الاجتماعية والعمرانية في فلسطين.

وأوضح أن الرحالة الذين زاروا فلسطين منذ القرن التاسع عشر كانوا يحملون كاميراتهم ويوثقون المدن والقرى والمواقع التاريخية، وهو ما أتاح للباحثين المعاصرين فرصة الاطلاع على جوانب من الحياة الفلسطينية لم تكن الوثائق المكتوبة وحدها كافية للكشف عنها.

وتتيح هذه الصور تتبع التحولات التي شهدتها العمارة الفلسطينية، ورصد أنماط البناء وتطور الأحياء السكنية، إلى جانب التعرف على الملابس والعادات والتقاليد والأنشطة اليومية للسكان في مراحل تاريخية مختلفة.

وتكتسب مجموعة «ذاكرة القدس» أهمية إضافية في ظل ما تعرضت له العديد من المعالم التاريخية الفلسطينية من تدمير وأضرار، إذ توفر الصور والرسومات والوثائق التي تضمها سجلا بصريا ومعماريا يساعد على حفظ ملامح المواقع التاريخية، ويمنح الباحثين والأجيال المقبلة فرصة للتعرف على جوانب من تاريخ فلسطين وتراثها الحضاري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى