ثقافة

كتاب جديد لياسر سليمان-معالي يرصد موقع اللغة العربية في قلب الصراع الصهيوني العربي

سبق أن تناولت مراجعة سابقة كتاب الدكتور ياسر سليمان-معالي «اللغة العربية في ساحات الوغى: دراسة في الأيديولوجيا والقلق والإرهاب»، مشيدة بمقاربته البينية التي تجاوزت حدود الدرس اللساني التقليدي، لتضع اللغة في صميم الصراعات الرمزية المرتبطة بالهوية والانتماء.

واليوم، يواصل سليمان-معالي مشروعه البحثي بكتاب جديد صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، أحد أبرز دور النشر الأكاديمية في العالم العربي. ولا يمثل الكتاب الجديد عملا منفصلا عن سابقه، بقدر ما يشكل امتدادا له وتعمقا في قضاياه الأساسية.

ويؤكد كتابه «اللغة العربية في أتون الصراع الصهيوني العربي» أن المؤلف لا يكتب دراسات متفرقة، بل يبني مشروعا فكريا مترابط الحلقات، يستند إلى التمييز بين الوظيفة الأداتية للغة، بوصفها وسيلة للتواصل، ووظيفتها الترميزية التي تجعلها علامة على هوية الجماعة وانتمائها، بل «وطنا» رمزيا لا يقبل التجزئة.

ويأتي هذا العمل امتدادا لكتابه الأول الصادر بالإنجليزية «اللغة العربية والهوية القومية: دراسة في الأيديولوجيا»، الذي صدرت ترجمته العربية ضمن مشروع «كلمة» للترجمة.

زج في أتون لم يختره العرب

لم يختر سليمان-معالي كلمة «الأتون» في عنوان كتابه اعتباطا، فهي توحي بالإقحام القسري في نار لم يشعلها العرب، ولم تكن اللغة العربية سببا في اندلاعها، بل وجد الاثنان نفسيهما في قلبها بفعل حركة استيطانية استعمارية تأثرت بموروثات الاستشراق الأوروبي، وحملت معها نزعة التفوق التي رسختها منظومته الأيديولوجية.

ومن هذا المنطلق، اختار المؤلف وصف الصراع بأنه «صهيوني-عربي»، بدلا من الصيغة الشائعة «الصراع العربي-الصهيوني» أو التعبير المتداول «الصراع العربي-الإسرائيلي». ويهدف هذا الاختيار إلى إبراز الأسبقية التاريخية للأنساق الصهيونية، التي تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر، قبل تشكل الصراع بصورته السياسية المعروفة.

كما تتيح هذه التسمية توسيع نطاق التحليل ليشمل البنى الصهيونية ذات الهيمنة الأشكنازية، التي فرضت نفوذها حتى على يهود من أصول عربية، لتكشف عن بعد إثني يتجاوز المواجهة بين العرب والإسرائيليين، ويمتد إلى التفاوت بين النخبة الأشكنازية واليهود المنحدرين من خلفيات ثقافية عربية أو سفاردية.

وعلى الرغم من حدة الطرح، لا يتحول الكتاب إلى مرافعة دفاعية عن العرب ولغتهم، بل يحافظ على طابعه البحثي، مستندا إلى الأدلة والوثائق والأرشيف، بعيدا عن الانفعال أو تغليب المواقف الشخصية للمؤلف.

ويتجلى ذلك في إعادة قراءة مفهوم «العاليا»، الذي يعني «الصعود» بالعبرية، وتستخدمه الحركة الصهيونية لوصف الهجرة اليهودية إلى فلسطين باعتبارها ارتقاء روحيا وحضاريا. وفي المقابل، تبدو هذه الحركة من منظور السكان العرب أقرب إلى عملية اقتحام قسري لأرضهم وحياتهم، لا إلى ذلك الصعود الذي توحي به التسمية.

وتكمن أهمية هذا التفكيك في إظهاره أن العداء الصهيوني للفلسطيني لا يتوقف عند هويته الوطنية، بل يمتد إلى عروبته بما تحمله من دلالات ثقافية وحضارية ورمزية.

من «التشعبك» إلى «التفكيكولونيالية»

يواصل سليمان-معالي في كتابه الجديد نهجه في ابتكار المفاهيم التي تساعد على فهم الظواهر المعقدة، وهو ما سبق أن فعله في كتاب «اللغة العربية في ساحات الوغى». ففي دراسته الجديدة، يستخدم مصطلح «تفكيكولونيالية»، المنحوت من كلمتي «تفكيك» و«كولونيالية»، في مقاربة تجمع بين النقد التفكيكي والتحليل الاستعماري.

ويأتي ذلك امتدادا لفكرته السابقة عن وضع اللغة في موقع معرفي بيني «يتشعبك» مع حقول بحثية متعددة، بدلا من حصرها داخل حدود علم اللسانيات.

ولا يمثل هذا الاشتغال على المصطلحات الجديدة مجرد ترف لغوي، بل يعكس عدم اكتفاء الباحث بالمفاهيم الجاهزة التي قد تعجز عن استيعاب تعقيدات موضوعه. ومن ثم، يبدو مشروعه اللغوي أقرب إلى مسار فكري متجدد يسعى إلى تطوير أدواته باستمرار، ويرفض الجمود الاصطلاحي.

حين تتوهج غزة في متن البحث

تزامن عمل سليمان-معالي على كتابه الجديد مع مرحلة مفصلية من الصراع الصهيوني العربي، تمثلت في الحرب الإسرائيلية على غزة. ويقر المؤلف بأن تداخل الباحث مع موضوعه كان تجربة صعبة على المستويين النفسي والمنهجي، إذ لم يكن يتناول القضية من موقع نظري معزول، بل كان يحاول فهم صراع تتكشف فصوله أمامه يوميا عبر شاشات التلفاز.

وقد دفعته هذه التجربة إلى التعمق في الجذور السياسية والتاريخية للصراع، واستكشاف ما يجري في محيط ينتمي إليه، ولو من مسافة جغرافية.

وفي مقاربته، يستلهم سليمان-معالي مقولة المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، التي تفيد بأن القضايا اللغوية الظاهرة تخفي وراءها مشكلات اجتماعية أوسع تتصدر المشهد. ومن هذا المنظور، يغدو الشأن اللغوي في الصراع الصهيوني العربي أحد الأبعاد التي لم تحظ بالاهتمام الكافي، إلى جانب الأرض والسياسة، رغم دوره في تشكيل الهوية وترسيخ الهيمنة الاستيطانية.

التنميط والمحو والتهميش

ينظم سليمان-معالي دراسته في ثلاثة فصول رئيسية، تسبقها مقدمة تأطيرية تعرض منطلقاتها النظرية، وتحمل الفصول عناوين «التنميط» و«المحو» و«التهميش».

ويتناول الفصل الأول الكيفية التي صُوّرت بها اللغة العربية داخل الخطاب الصهيوني، انطلاقا من جذور الحركة الأوروبية ونظرتها الاستشراقية المتعالية. فقد جرى تقديم العربية باعتبارها لغة مرتبطة بالتخلف والعنف، ثم اختزالها في صورة «لغة العدو»، ليس على المستوى الجغرافي والسياسي فحسب، بل على المستوى الرمزي أيضا، بما يجعلها حاملة للصفات السلبية التي أُلصقت بالعرب، مثل الدونية واللاعقلانية والانحطاط.

ويستعين المؤلف بالتراث اللغوي العربي، مستحضرا مفهوم «البلبلة» الوارد في معجم «لسان العرب»، والمرتبط بأسطورة برج بابل، لتفسير الفوضى اللغوية التي سعت الصهيونية إلى تجاوزها عبر فرض العبرية لغة موحدة للدين والتراث في «أرض إسرائيل» المتخيلة.

وفي إطار سعي الحركة الصهيونية إلى إعادة اليهود إلى ما تصفه بـ«أرض الأجداد»، ونفي تجربة المنفى، احتلت اللغة موقعا ضمن أضلاع المشروع الاستيطاني في فلسطين، رغم أن هذا البعد لم ينل ما يستحقه من اهتمام في التحليلات السياسية.

وقد يعود ذلك، وفق قراءة الكتاب، إلى محدودية اهتمام بعض الباحثين في اللسانيات بتوسيع نطاق دراساتهم نحو هذه المساحات المتداخلة مع السياسة والاستعمار والهوية.

ومن بين الوثائق التي يستشهد بها المؤلف صورة لقنبلة ألقاها جنود إسرائيليون على غزة، كُتبت عليها بالعبرية عبارة «أصبحنا نتكلم العربية الآن». ويرى في هذه الصورة نموذجا صادما لتحويل اللغة إلى أداة تهديد، وتجريد التواصل الإنساني من معناه، وإخضاعه لمنطق العنف والإبادة.

السفارديم والأشكناز

يتوقف الكتاب عند الفرضية القائلة إن قرب اليهود السفارديم من اللغة العربية وثقافتها كان من الممكن أن يجعلهم جسرا للتفاهم مع المحيط العربي، لولا هيمنة الأشكناز ونظرتهم المتعالية.

ويعارض سليمان-معالي هذا التفسير، موضحا أن امتلاك النخبة السفاردية مهارات لغوية في العربية لم يمنعها من توظيف تلك المهارات أداة للتفاوض وتحقيق مكاسب إثنية داخل المجتمع الإسرائيلي، بما في ذلك في علاقتها بالأشكناز.

وبحسب تحليله، فإن الفوارق بين اليهود والعرب في إسرائيل لا يمكن فهمها باعتبارها اختلافات في الدرجة فحسب، على غرار التفاوتات داخل المجتمع اليهودي، بل تتخذ طابعا نوعيا لا يزول بمجرد انتقال العربي إلى استخدام العبرية أو اندماجه لغويا في البيئة الإسرائيلية.

ويشير المؤلف إلى أن انتقال اليهود العرب من العربية إلى العبرية، حتى عندما جرى بمشاركتهم الطوعية، ارتبط بكلفة اجتماعية انتقصت من مكانتهم مقارنة باليهود الأشكناز. ويتيح ذلك النظر إلى التحول اللغوي باعتباره أحد أشكال «العنف اللغوي» الذي تعرضت له هذه الفئة في الدولة الإسرائيلية الناشئة.

كما يطرح الكتاب إمكانية فهم تراجع العربية بين اليهود المزراحيين بوصفه شكلا من «الإبادة اللغوية»، في ضوء الممارسات التي استهدفت إضعافها ومحو حضورها، بهدف دمج هؤلاء اليهود في بوتقة الهوية الصهيونية داخل المجتمع الإسرائيلي.

من «التشكنز» إلى محو الأسماء

في فصل «المحو»، يتتبع سليمان-معالي مظاهر طمس اللغة العربية لدى اليهود القادمين من البلدان العربية إلى إسرائيل بعد عام 1948، مسلطا الضوء على تغيير الأسماء وتعريبها أو عبرنتها باعتباره آلية لقطع الصلة بالماضي وتجربة الشتات.

ويبرز في هذا السياق مثال «سامي معلم»، الذي أصبح اسمه «شموئيل موريه»، في تحول يحمل دلالة لغوية وثقافية لافتة. فعلى الرغم من انتقال الاسم إلى الصيغة العبرية، ظلت كلمة «موريه» تحتفظ بمعنى «معلم» في العربية، وكأن الاسم الجديد طبقة لغوية تخفي تحتها آثار الاسم القديم، وتكشف في الوقت نفسه عن استمرار حضور العربية رغم محاولات محوها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى