ثقافة

مرادخاني.. حي تاريخي في كابل يستعيد ذاكرته عبر ترميم المباني وإحياء الحرف التقليدية

في أحد أزقة كابل القديمة، حيث تطل الشرفات الخشبية على ممرات ضيقة مرصوفة بالحجارة، يتردد صوت المطرقة داخل ورشة صغيرة في حي مرادخاني التاريخي، شاهدا على استمرار مهنة عريقة ارتبطت بحياة السكان عبر أجيال متعاقبة.

وفي دكانه المتواضع، ينهمك سليم شاه في تشكيل قطعة معدنية، وسط أدوات تقليدية تعكس جانبا من تاريخ الحي، بينما تبدو الحياة في المكان أكثر هدوءا من إيقاع العاصمة الأفغانية الحديثة.

ويقول شاه، الذي أمضى نحو خمسة عقود في مهنة الحدادة، إن مرادخاني كان على الدوام موطنا للحرفيين وأصحاب المهن التقليدية، إذ شكلت الحدادة والنجارة وصياغة المعادن جزءا أساسيا من الحياة اليومية لسكانه.

ويضيف أن كثيرا من الحرفيين تعلموا المهنة من آبائهم وأجدادهم، مؤكدا أن الحفاظ على هوية الحي لا يقتصر على ترميم المباني والأسواق القديمة، بل يتطلب أيضا حماية الحرف التي أسهمت في تشكيل شخصيته الثقافية والاجتماعية.

مرادخاني.. ذاكرة كابل التاريخية

يقع حي مرادخاني في قلب كابل القديمة، شمال نهر كابل، ويعد من أقدم المناطق التاريخية في العاصمة الأفغانية. وتعود نشأته إلى أواخر القرن الثامن عشر، عقب انتقال عاصمة الدولة الدرانية إلى كابل، قبل أن يتحول تدريجيا إلى مركز عمراني وتجاري بارز.

وعلى امتداد عقود طويلة، حافظ الحي على مكانته بوصفه فضاء للأسواق والحرف والحياة الاجتماعية، إذ سكنت فيه عائلات من التجار والصناع، وازدهرت بين أزقته أنشطة اقتصادية وثقافية أصبحت جزءا من هوية المدينة القديمة.

ويستعيد شكيب خالدي، أحد سكان المنطقة، ملامح الحي في سنوات سابقة، مشيرا إلى أن عددا من مبانيه التاريخية عانى الإهمال والتدهور، فيما فقدت بعض الأزقة طابعها التقليدي بفعل الحروب والتغيرات العمرانية التي شهدتها العاصمة.

ويقول خالدي إن السكان خشوا ضياع ما تبقى من إرث المنطقة، قبل أن تنطلق مشاريع الترميم التي أعادت الحياة إلى مجموعة من المباني والأسواق القديمة.

من جانبه، يرى الباحث والمعماري الأفغاني حشمت الله أتمر أن مرادخاني يمثل أحد أبرز النماذج المتبقية للعمارة التقليدية في كابل، موضحا أن بعض مبانيه لا تزال تحتفظ بعناصرها الأصلية، مثل الأفنية الداخلية والأبواب الخشبية والزخارف التي تعكس أساليب البناء السائدة في المدينة خلال القرون الماضية.

ويؤكد أتمر أن القيمة التاريخية للحي تتجاوز الجانب المعماري، إذ يمثل شاهدا على مراحل متعددة من تاريخ العاصمة، ويحفظ جزءا من ذاكرتها الحضرية والثقافية.

حين كانت الأزقة تعج بالحرفيين

لم يكن مرادخاني مجرد منطقة سكنية، بل شكل في الماضي مركزا حيويا للتجارة والصناعات اليدوية، إذ ضمت أزقته أسواقا وخانات وورش عمل، وكانت الأنشطة التجارية عنصرا رئيسيا في حياة السكان اليومية.

ويقول خالدي إن كبار السن ما زالوا يستحضرون زمنا كانت فيه الأزقة مزدحمة بالحدادين والنجارين والصاغة والخياطين، وكانت لكل مهنة تقريبا مساحة خاصة أو سوق داخل الحي.

ويضيف أن شهرة مرادخاني لم ترتبط بمبانيه التاريخية وحدها، بل أيضا بالحرفيين الذين سكنوه والمهن التي توارثوها، وأسهمت في بناء هويته على مدى أجيال.

وتشير دراسات تراثية إلى أن الحي كان من أبرز مراكز الحرف التقليدية في كابل، حيث أسهم الحرفيون المقيمون فيه لعقود طويلة في تزويد الأسواق المحلية بمنتجات يدوية متنوعة.

من الإهمال إلى مشاريع الترميم

تركت الحروب التي شهدتها أفغانستان خلال العقود الماضية آثارا عميقة في مرادخاني، إذ تعرضت مبان تاريخية للتدمير والتدهور، واختفت أجزاء من نسيجه العمراني التقليدي، فيما اضطر عدد من السكان إلى مغادرته.

ويقول خالدي إن بعض المباني والأسواق القديمة أصبحت مهددة بالانهيار، بينما تحولت أجزاء من الحي إلى مناطق مهملة فقدت الكثير من ملامحها السابقة.

لكن انطلاق مشاريع ترميم التراث وإحيائه عام 2006 شكل بداية مرحلة جديدة، شملت إعادة تأهيل مبان تاريخية وأزقة وأسواق قديمة، إلى جانب تحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية.

وخلال زيارة رسمية للحي، شدد نائب وزير الإعلام والثقافة الأفغاني مولوي عتيق الله عزيزي على ضرورة الحفاظ على مرادخاني، باعتباره من أبرز المواقع التراثية في كابل وجزءا مهما من الهوية التاريخية والثقافية لأفغانستان.

ويقول سكان إن أعمال الترميم لم تقتصر على إنقاذ المباني من التدهور، بل أعادت الاهتمام بالمنطقة وشجعت على العودة إليها والاستثمار في الحفاظ على معالمها التاريخية.

مؤسسة فيروزكوه تعيد إحياء الحرف التقليدية

امتدت جهود إحياء مرادخاني إلى ما هو أبعد من ترميم المباني، لتشمل إعادة الاعتبار إلى الحرف والفنون التقليدية التي اشتهرت بها كابل القديمة، وكان لمؤسسة فيروزكوه دور بارز في هذه الجهود.

ومنذ بدء نشاطها في الحي عام 2006، عملت المؤسسة على الجمع بين صون التراث العمراني وإحياء الصناعات والفنون التقليدية. كما أنشأت معهد الفنون والعمارة الأفغاني، الذي يوفر برامج للتدريب المهني في مجالات النجارة والحفر على الخشب وصناعة المجوهرات والفخار والخط العربي والمنمنمات.

وأسهمت هذه البرامج، بحسب مسؤولين ثقافيين، في نقل المهارات التقليدية إلى جيل جديد من الشباب، بعدما أصبحت بعض المهن مهددة بالاندثار بفعل الحروب والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

وتتجلى نتائج هذه الجهود في الورش المنتشرة داخل الحي، حيث يتدرب شباب على مهارات يدوية توارثها الحرفيون الأفغان جيلا بعد جيل، في محاولة للحفاظ على المعارف التقليدية وضمان استمرارها.

حرفيون يتمسكون بتراث الأجداد

داخل الورش الصغيرة في مرادخاني، يواصل حرفيون ومتدربون العمل في النجارة والزخرفة والخط وصناعة الحلي التقليدية، في مشهد يعكس استمرار الصلة بين الحي وماضيه المهني والثقافي.

ويؤكد سليم شاه أن الحدادة بالنسبة إليه ليست مجرد مصدر للرزق، بل مهنة تحمل جانبا من تاريخ المنطقة وذاكرتها، محذرا من أن اندثار الحرف التقليدية سيؤدي إلى فقدان جزء مهم من هوية كابل القديمة.

ويرى أن تجدد الاهتمام بهذه المهن خلال السنوات الأخيرة أعاد الحيوية إلى الحي، وأتاح للشباب فرصة التعرف على صناعات ارتبطت بتاريخ بلادهم وثقافتها.

ويشدد شاه على أن حماية الحرف لا تقل أهمية عن صيانة المباني التاريخية، موضحا أن التراث لا يقتصر على الحجر والطين والأبواب الخشبية، بل يشمل أيضا المهارات والعادات والمعارف التي تناقلتها الأجيال، والتي تمنح الأماكن التاريخية روحها وهويتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى