تقنية

مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بين أرباح قياسية وهشاشة جيوسياسية متزايدة

تحوّل قطاع مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي إلى أحد أكثر القطاعات التقنية ربحية خلال الفترة الأخيرة، مدفوعاً بالطلب المتسارع على تطبيقات الذكاء الاصطناعي واعتمادها الكامل على البنية التحتية الحاسوبية الضخمة التي توفرها هذه المراكز، رغم ما أظهرته الأحداث الجيوسياسية الأخيرة من هشاشة بنيوية في هذا القطاع.

وبحسب تقرير لوكالة “رويترز” نُشر نهاية العام الماضي، فقد سجل هذا القطاع مستويات أرباح غير مسبوقة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نتيجة صفقات ضخمة لبناء أكثر من 100 مركز بيانات بتكلفة تجاوزت 61 مليار دولار، ما يعكس اتساع حجم الاستثمارات المرتبطة باقتصاد الذكاء الاصطناعي.

وأصبح هذا القطاع محورياً في الاقتصاد الرقمي العالمي، نظراً لكونه البنية الأساسية التي تعتمد عليها النماذج اللغوية والتطبيقات الذكية في التشغيل والمعالجة والتخزين.

هشاشة مكشوفة أمام الصراعات

ورغم هذا النمو، أظهرت الحرب الجارية في إيران وما رافقها من توترات إقليمية هشاشة هذا القطاع أمام الصدمات الجيوسياسية، سواء عبر الاستهداف المباشر أو عبر تعطيل البنية التحتية المساندة مثل شبكات الكهرباء وكابلات الإنترنت وأزمات الطاقة.

وتسببت هذه التطورات في تعطيل عدد من مشاريع مراكز البيانات داخل الولايات المتحدة وخارجها، من بينها مشروع “ستارغيت” الأمريكي الذي يقوده تحالف تقني-مالي بدعم سياسي، باستثمارات قد تصل إلى 500 مليار دولار، إضافة إلى مشروع “ستارغيت الإمارات” المدعوم من أذرع سيادية وتقنية في أبوظبي.

ويعيد هذا الواقع طرح تساؤلات حول مدى حاجة القطاع إلى إعادة تصميم بنيته التحتية بما يجعله أكثر مرونة واستدامة أمام الصدمات العسكرية والاقتصادية.

نقاط ضعف بنيوية في البنية التحتية

تُظهر طبيعة تشغيل مراكز البيانات وجود نقاط ضعف جوهرية يصعب تجاوزها، أبرزها تمركزها الجغرافي في مواقع يمكن استهدافها عسكرياً، إلى جانب اعتمادها الكبير على إمدادات كهربائية مستقرة ومستمرة.

وتشير تقارير إلى أن بعض مراكز البيانات التابعة لشركات كبرى تعرضت لتأثيرات مباشرة نتيجة اضطرابات في شبكات الطاقة أو البنية التحتية المحيطة، ما انعكس على خدمات الإنترنت عالمياً.

كما أن استهلاك الطاقة المرتفع يجعل هذه المراكز شديدة الحساسية لأي خلل في الإمدادات، وهو ما قد يؤدي إلى توقفها بشكل كامل خلال فترات قصيرة.

محاولات للبحث عن بدائل طاقوية

في مواجهة أزمة الطاقة، تتجه شركات التكنولوجيا إلى تطوير حلول غير تقليدية، تشمل الطاقة النووية المصغرة والطاقة المائية والتبريد المتقدم.

فقد دخلت شركات مثل “غوغل” في شراكات لتطوير مفاعلات نووية صغيرة مع شركات متخصصة، في محاولة لتأمين مصدر طاقة مستقل لمراكز البيانات.

كما تعمل شركات صناعية كبرى مثل “رولز رويس” على تطوير مفاعلات معيارية مصغرة، في حين تعتمد “مايكروسوفت” على حلول قائمة على الطاقة المائية لتوليد الكهرباء والتبريد في آن واحد.

مواقع غير تقليدية لمراكز البيانات

بسبب مشكلات الحرارة واستهلاك المياه، بدأت شركات تقنية في استكشاف مواقع غير تقليدية لبناء مراكز البيانات، بما في ذلك المناطق الباردة مثل القطب الجنوبي، حيث يمكن الاستفادة من درجات الحرارة المنخفضة لتقليل تكاليف التبريد.

كما طُرحت مشاريع أكثر طموحاً، مثل مراكز بيانات فضائية تعتمد على شبكات إنترنت فضائية لتجاوز قيود البيئة الأرضية، رغم أنها لا تزال في مراحلها النظرية.

أزمة الاتصال والاعتماد على الكابلات البحرية

ورغم هذه الابتكارات، تبقى مشكلة الاتصال بالإنترنت إحدى أبرز نقاط الضعف، إذ تعتمد مراكز البيانات بشكل رئيسي على الكابلات البحرية التي تمر عبر محيطات ومناطق بحرية حساسة.

وتتعرض هذه الكابلات لمخاطر متعددة، سواء نتيجة الحوادث الطبيعية أو الأعمال التخريبية، كما حدث في حالات سابقة أثرت على تدفق الإنترنت في مناطق واسعة.

كما أن البدائل مثل الإنترنت الفضائي لا تزال محدودة من حيث السرعة والسعة مقارنة بالبنية التحتية الأرضية، ما يجعل الاعتماد عليها بشكل كامل غير ممكن حالياً.

مستقبل مفتوح على إعادة التصميم

تطرح هذه التحديات تساؤلات جوهرية حول استدامة نموذج مراكز البيانات الحالي، وإمكانية تطوير جيل جديد أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات الجيوسياسية والبيئية، في وقت يتوسع فيه اعتماد العالم بشكل متسارع على الذكاء الاصطناعي كبنية اقتصادية أساسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى