الاتحاد الأوروبي يدفع نحو حظر تدريجي لمعدات “هواوي” و“زد تي إي” ضمن إعادة تشكيل أمن الاتصالات

تتجه السياسة الرقمية في الاتحاد الأوروبي إلى مرحلة أكثر صرامة في التعامل مع البنية التحتية للاتصالات، بعد توصية جديدة تدعو دول التكتل إلى استبعاد معدات شركتي هواوي وزد تي إي من شبكاتها الحيوية، في تحول يُنظر إليه باعتباره انتقالاً من الإرشادات الطوعية إلى مسار تنظيمي أقرب للإلزام.
وبحسب تقرير لموقع “ذا نكست ويب”، يأتي هذا التوجه امتداداً لسياسات بدأت منذ عام 2020 عبر “صندوق أدوات الأمن السيبراني للجيل الخامس”، لكنه اليوم يتجه نحو تشديد قانوني أوسع يهدف إلى تعزيز ما تسميه بروكسل “السيادة الرقمية” وحماية البنية التحتية الحيوية للاتصالات.
ويتمحور القلق الأوروبي حول الطبيعة التقنية لشبكات الجيل الخامس، التي تعتمد بشكل كبير على البرمجيات إلى جانب العتاد المادي، ضمن بنية “معرّفة برمجياً” (Software-defined networks). هذا التحول يجعل أجزاء حساسة من الشبكة قابلة للإدارة عن بعد عبر طبقات برمجية معقدة، ما يثير مخاوف من إمكانية وجود ثغرات خفية أو “أبواب خلفية” يصعب اكتشافها حتى مع عمليات التدقيق الأمني.
كما يشير خبراء الأمن السيبراني إلى أن الاعتماد على مورد واحد أو عدد محدود من الموردين في بناء الشبكات يمنح هذا المورد نفوذاً تقنياً واسعاً على البنية التحتية، خاصة في حال اعتُبر “عالي المخاطر” وفقاً للتشريعات الوطنية لبلده الأصلي، مثل قوانين الاستخبارات في بعض الدول.
في المقابل، يواصل الاتحاد الأوروبي تبني سياسة “تقليل المخاطر” بدلاً من الفصل الكامل، على عكس النهج الأمريكي الأكثر تشدداً، مع وضع جدول زمني قد يصل إلى 36 شهراً لإزالة المعدات المصنفة عالية الخطورة من شبكات الاتصالات.
ومن المتوقع أن يفرض هذا التحول تكاليف كبيرة على شركات الاتصالات الأوروبية، التي ستضطر إلى استبدال بنيتها التحتية بموردين بديلين مثل “إريكسون” و“نوكيا”، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة، ما قد ينعكس لاحقاً على أسعار الخدمات للمستهلكين.
وفي محاولة لمعالجة هذه الإشكالات، يتجه الاتحاد الأوروبي نحو تعزيز تقنيات “الشبكات المفتوحة” (Open RAN)، التي تسمح بدمج معدات وبرمجيات من عدة موردين داخل الشبكة الواحدة، بهدف تقليل الاعتماد على مزود واحد وزيادة المرونة التنافسية.
لكن هذا التوجه يثير بدوره نقاشاً أمنياً جديداً، إذ يرى بعض الخبراء أن تعدد الواجهات والموردين قد يوسع سطح الهجوم السيبراني، ما يتطلب أنظمة مراقبة وحوكمة أمنية أكثر تعقيداً.
ويعكس هذا القرار في مجمله تحوّلاً أعمق في رؤية الاتحاد الأوروبي للتكنولوجيا، باعتبارها بنية سيادية حساسة لا تقل أهمية عن الطاقة والدفاع، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية بين بروكسل وبكين.





