رغم مليارات الاستيراد.. لماذا تتواصل أزمة الوقود والكهرباء في ليبيا؟

تتواصل أزمة الوقود في ليبيا رغم تأكيد الجهات الرسمية استمرار تدفق شحنات المحروقات وإنفاق أكثر من مليار دولار على استيرادها خلال شهر مايو/أيار الماضي، إذ لا تزال طوابير السيارات تظهر أمام بعض محطات الوقود، خاصة في مدن الجنوب، بينما تشهد المدن الساحلية تحسنا نسبيا واختفاءً متقطعا للأزمة.
وتتزامن أزمة الوقود مع ضغوط متزايدة على قطاع الكهرباء، بعدما حذرت الشركة العامة للكهرباء من فقدان أكثر من ألف ميغاواط من القدرة الإنتاجية نتيجة نقص الوقود والغاز اللازمين لتشغيل محطات التوليد، مما يثير تساؤلات بشأن كفاءة منظومة الإمداد والتوزيع.
تراجع الأزمة شمالا واستمرارها جنوبا
شهدت العاصمة طرابلس وعدد من مدن الساحل انخفاضا ملحوظا في طوابير الوقود خلال الأيام الماضية بعد موجة ازدحام استمرت لأسابيع، في حين ما تزال مناطق الجنوب تعاني صعوبات متفاوتة في الحصول على البنزين والديزل، وسط شكاوى من تأخر وصول الشحنات وارتفاع الأسعار في السوق الموازية.
وأوضح رئيس لجنة أزمة الوقود ميلود عطية أن الوقود متوفر داخل مستودعات سبها بصورة طبيعية، مؤكدا أن الازدحام الأخير كان محدودا ونتج عن مخاوف المواطنين من تأخر وصول الإمدادات، الأمر الذي دفع بعضهم إلى شراء كميات إضافية.
وأضاف أن معظم الطوابير اختفت بالفعل، مع انطلاق شحنة جديدة من مستودع الزاوية إلى الجنوب بحمولة تبلغ نحو 600 ألف لتر لدعم المخزون وتعزيز استقرار الإمدادات.
وفرة الوقود لا تنهي الاختناقات
من جهتها، ترى شركة البريقة لتسويق النفط أن الأزمة لا ترتبط فقط بتوفر الوقود، وإنما بمجموعة من العوامل التشغيلية واللوجستية.
وأوضح المتحدث باسم الشركة أحمد المسلاتي أن بداية الأزمة تعود إلى فجوة في التوريدات خلال أبريل/نيسان الماضي، إضافة إلى ارتفاع الطلب مع دخول فصل الصيف وعطلة عيد الأضحى، فضلا عن تراجع السعات التخزينية والبنية التشغيلية التي كانت تخدم العاصمة والمنطقة الغربية.
وأشار إلى أن أي تأخير في وصول الشحنات أو نقلها أصبح ينعكس بصورة مباشرة على المحطات نتيجة محدودية الطاقة التخزينية في بعض المناطق.
مشكلة في التوزيع أكثر من الاستيراد
وأكدت شركة البريقة أن وجود الوقود في المستودعات لا يضمن بالضرورة وصوله إلى المستهلك، إذ تتسبب عوامل متعددة في حدوث الاختناقات، من بينها توقف بعض المحطات عن العمل، وعدم الالتزام بساعات التشغيل، وضعف قدرات النقل لدى بعض شركات التوزيع.
ويتفق هذا الطرح مع تصريحات رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، الذي أرجع الأزمة إلى مشكلات التوزيع والتسريب والتهريب أكثر من ارتباطها بنقص الكميات المستوردة.
الجنوب يواجه تحديات لوجستية معقدة
تعتمد مدن الجنوب الليبي، مثل سبها وأوباري ومرزق وغات والكفرة، على نقل الوقود برا لمسافات طويلة انطلاقا من الموانئ ومستودعات التخزين الواقعة على الساحل الشمالي، وهو ما يجعل الإمدادات أكثر عرضة للتأخير مقارنة بالمناطق الساحلية.
وتشير تقارير رقابية إلى أن ارتفاع تكاليف النقل، وضعف الرقابة على مسارات التوزيع، واتساع الرقعة الجغرافية، تمثل أبرز التحديات التي تواجه إيصال الوقود إلى هذه المناطق.
التهريب يستنزف الموارد
لا تزال عمليات تهريب الوقود المدعوم تشكل أحد أبرز التحديات أمام السلطات الليبية، إذ تستفيد شبكات التهريب من الفارق الكبير بين الأسعار المحلية وأسعار الوقود في دول الجوار.
وتؤكد تقارير دولية ورقابية أن هذه الظاهرة تستنزف الموارد العامة وتؤثر بشكل مباشر على كفاءة منظومة توزيع المحروقات.
ويرى مسؤولو شركة البريقة أن الحد من الأزمة يتطلب تشديد الرقابة على حركة نقل الوقود، وربط الكميات الخارجة من المستودعات بما يصل فعليا إلى المحطات، إلى جانب ملاحقة المتورطين في عمليات التهريب والتلاعب.
تداعيات مباشرة على قطاع الكهرباء
امتدت أزمة الوقود إلى قطاع الكهرباء، حيث حذرت الشركة العامة للكهرباء من أن نقص الوقود والغاز تسبب في فقدان أكثر من ألف ميغاواط من القدرة الإنتاجية، مع احتمال ارتفاع ساعات طرح الأحمال إذا استمرت الأزمة.
كما حذر وزير الكهرباء في الحكومة الليبية من أن استمرار نقص الوقود يهدد استقرار الشبكة الكهربائية، خاصة مع تزايد الاستهلاك خلال فصل الصيف.
وفي المقابل، أوضح رئيس لجنة أزمة الوقود أن التأخير في وصول إحدى ناقلات الديزل المخصصة لمحطات التوليد كان السبب الرئيسي وراء زيادة ساعات انقطاع الكهرباء، مشيرا إلى أن وصول الشحنة إلى ميناء الخمس من المتوقع أن يسهم في تحسين أداء الشبكة خلال الفترة المقبلة.
أزمة هيكلية تتجاوز توفير الوقود
تعكس أزمة الوقود في ليبيا خللا هيكليا يتجاوز مسألة استيراد المحروقات، إذ ترتبط بكفاءة إدارة سلسلة الإمداد بأكملها، بدءا من الموانئ ومستودعات التخزين، مرورا بعمليات النقل والتوزيع، وصولا إلى محطات الوقود والمستهلك النهائي.
ورغم التحسن الذي شهدته بعض المدن خلال الأيام الأخيرة، فإن استمرار الأزمة في مناطق الجنوب، بالتزامن مع الضغوط التي تواجه قطاع الكهرباء، يؤكد أن الحلول المستدامة تتطلب تطوير البنية التحتية، وتعزيز الرقابة، ومكافحة التهريب، وتحسين إدارة منظومة توزيع الوقود على مستوى البلاد.





