واشنطن وطهران تنتقلان إلى حرب الاستنزاف.. ضغوط عسكرية ومراهنة على الوقت

دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة لم تعد تقاس بعدد الضربات أو حجم الأهداف المستهدفة، بل بقدرة كل طرف على إدارة حرب استنزاف طويلة بأقل تكلفة ممكنة. ففي الوقت الذي تعمل فيه واشنطن على تطوير أدوات الردع العسكرية، تراهن طهران على عامل الزمن لإفشال الضغوط العسكرية والاقتصادية والإبقاء على فرص التفاوض وفق شروط مختلفة.
تصعيد عسكري وتوسيع دائرة العمليات
شهدت الأيام الأخيرة استئناف الولايات المتحدة غاراتها الجوية على أهداف داخل إيران، إلى جانب إعادة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، بينما عززت طهران دفاعاتها حول منشأة بوشهر النووية وأعلنت استهداف قاعدة الأزرق الأمريكية في الأردن، في تصعيد متبادل يعكس انتقال الأزمة إلى مستوى أكثر تعقيدًا.
ويرى الخبير العسكري والإستراتيجي العقيد نضال أبو زيد أن وصف القيادة المركزية الأمريكية للضربات الأخيرة بأنها “فتاكة” يشير إلى تحول في طبيعة العمليات، حيث انتقلت واشنطن من استهداف أهداف تكتيكية إلى خطة تستهدف إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، عبر ضرب منظومات الرصد والدفاعات الساحلية والقدرات البحرية.
وأضاف أن هذا التحول يتضح أيضًا من خلال زيادة عدد الأهداف المستهدفة واتساع رقعة العمليات من المناطق الساحلية إلى العمق الإيراني، في محاولة لتوسيع دائرة الضغط وإرباك منظومة الدفاع الإيرانية.
واشنطن تضغط دون الانزلاق إلى حرب شاملة
من جانبه، يرى الباحث في مركز الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية عباس أصلاني أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى إشعال حرب إقليمية واسعة، وإنما تستخدم الضغوط العسكرية لدفع إيران إلى تقديم تنازلات في ملفات البرنامج النووي ومضيق هرمز، مع الحرص على إبقاء إسرائيل خارج المواجهة المباشرة.
وأشار إلى أن أزمة الثقة المتراكمة منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي تجعل أي مفاوضات مستقبلية أكثر صعوبة، وتقلل من فرص التوصل إلى تسوية مستقرة في المستقبل القريب.
استراتيجية أمريكية تقوم على الاستنزاف
بدوره، أوضح العضو السابق في الكونغرس الأمريكي توم غاريت أن الهدف الأساسي للإدارة الأمريكية ما يزال يتمثل في منع إيران من امتلاك السلاح النووي مع تجنب توسيع دائرة الحرب، ولذلك تركز العمليات العسكرية على القدرات التي تهدد الملاحة في مضيق هرمز أكثر من استهداف مؤسسات الدولة الإيرانية.
وأكد أن الضربات الأخيرة تستهدف بصورة متزايدة البنية العسكرية ومنشآت الإنتاج التي تدعم القدرات الإيرانية، بهدف تقليص قدرتها على مواصلة التصعيد دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
القوة العسكرية لتحسين شروط التفاوض
ويرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جنيف حسني عبيدي أن التصعيد العسكري الحالي يهدف إلى تعزيز المواقف التفاوضية للطرفين أكثر من كونه محاولة لإنهاء فرص الحوار، مشيرًا إلى أن مذكرة التفاهم السابقة ما تزال تمثل قاعدة يمكن العودة إليها إذا اقتنع الجانبان بأن تكلفة التصعيد أصبحت أعلى من تكلفة التسوية.
وأضاف أن واشنطن وسعت أدوات الضغط لتشمل التهديد باستهداف مواقع نووية غير معلنة، بالتزامن مع تشديد الحصار البحري، في إطار إعادة صياغة ميزان الضغط العسكري والسياسي.
تكتيكات منخفضة الكلفة
وتعتمد الولايات المتحدة بشكل متزايد على وسائل الحرب غير المأهولة، إذ أعلنت القيادة المركزية استخدام زوارق مسيرة أحادية الاتجاه لاستهداف منشآت في ميناء بندر عباس، ضمن تكتيك يهدف إلى ضرب أهداف بحرية عالية القيمة بتكلفة تشغيلية منخفضة.
ويشير العقيد نضال أبو زيد إلى أن هذه الوسائل تمثل نموذجًا لحروب الجيل السادس، حيث يجري دمج الزوارق غير المأهولة والطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة في منظومة استهداف موحدة تعتمد على الرصد والتعقب ثم التنفيذ، بما يرفع الكفاءة العملياتية ويقلل استهلاك الذخائر باهظة الثمن.
وأضاف أن هذا التوجه جاء بعد الاستنزاف الكبير الذي تعرضت له مخزونات الذخائر الدقيقة خلال المواجهات السابقة، ما دفع واشنطن إلى اعتماد سياسة “عقلنة الاستهداف” باستخدام وسائل أكثر كفاءة وأقل تكلفة.
كما يتفق توم غاريت مع هذا التقييم، معتبرًا أن البعد الاقتصادي أصبح جزءًا أساسيًا من الإستراتيجية الأمريكية، إذ تسمح الأنظمة غير المأهولة بمواصلة الضغط العسكري لفترات أطول دون استنزاف الموارد.
إيران تراهن على الصمود وإطالة أمد المواجهة
في المقابل، يرى عباس أصلاني أن إيران لا تعتمد على التفوق العسكري المباشر، وإنما تراهن على الصمود وإفشال أهداف الضغوط الأمريكية، مستفيدة من أوراق ضغط مثل مضيق هرمز وملف الطاقة، مع السعي لمنع واشنطن من فرض تنازلات عبر القوة العسكرية.
وحذر حسني عبيدي من أن استمرار هذا التصعيد لن ينعكس على طرفي الصراع فقط، بل سيؤثر أيضًا في أمن الخليج والاقتصاد العالمي، مع زيادة المخاطر التي تهدد الملاحة البحرية وأسواق الطاقة.
وفي ختام المشهد، تبدو المواجهة الحالية أقرب إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى فرض ضغوط محسوبة التكلفة، بينما تراهن إيران على عامل الوقت لمنع خصمها من تحويل تفوقه العسكري إلى مكاسب سياسية أو تفاوضية دائمة.





