مصر تعيد رسم خريطتها الزراعية لمواجهة تحديات سد النهضة وشح المياه

تتجه مصر إلى تعزيز إجراءاتها للتكيف مع تحديات الأمن المائي، عبر تنفيذ حزمة من السياسات التي تشمل تطوير القطاع الزراعي، والتوسع في تحلية المياه، وإعادة استخدام الموارد المائية، بالتزامن مع استمرار تعثر المفاوضات الخاصة بسد النهضة الإثيوبي.
وتؤكد الحكومة أن هذه الخطوات تأتي ضمن إستراتيجية طويلة الأجل لمواجهة ندرة المياه والتغيرات المناخية، إلا أن تسارع تنفيذها في ظل جمود المسار التفاوضي مع إثيوبيا يثير تساؤلات حول ما إذا كانت القاهرة بدأت فعليًا في تطبيق خطة للتعامل مع احتمالات تراجع الموارد المائية مستقبلاً.
تحركات حكومية متزامنة
شهدت الأسابيع الأخيرة نشاطًا مكثفًا في ملفي المياه والزراعة، حيث عقد وزيرا الزراعة والموارد المائية والري اجتماعات مع جهات وشركات هندية لبحث التعاون في مجالات الزراعة المستدامة، وإدارة المياه، والتوسع في زراعة محاصيل تتحمل الجفاف، وفي مقدمتها الدخن.
وفي الوقت ذاته، تابعت الحكومة تنفيذ خطتها الإستراتيجية للتوسع في مشروعات تحلية مياه البحر، مع دراسة عروض من شركات دولية لإنشاء محطات جديدة، باعتبار التحلية أحد الركائز الأساسية لتأمين احتياجات البلاد المائية خلال السنوات المقبلة.
ويرى مختصون أن هذه الإجراءات تمثل توجهًا متكاملاً يهدف إلى تنويع مصادر المياه، ورفع كفاءة استخدامها، وتقليل الضغط على حصة مصر السنوية من مياه النيل، والتي تبلغ 55.5 مليار متر مكعب.
التكيف إلى جانب التفاوض
يؤكد خبراء في الموارد المائية أن أزمة المياه في مصر سبقت ملف سد النهضة بسنوات، نتيجة محدودية الموارد المائية مقابل النمو السكاني، إلا أن السد أضاف تحديات جديدة دفعت الدولة إلى تسريع تنفيذ مشروعات كبرى لإدارة الموارد المائية.
وشملت هذه المشروعات التوسع في تحلية مياه البحر، ومعالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، إلى جانب تطوير نظم الري الحديثة، واستنباط أصناف زراعية أقل استهلاكًا للمياه، وتنظيم زراعة المحاصيل كثيفة الاستهلاك مثل الأرز.
كما وضعت وزارة الموارد المائية والري سيناريوهات متعددة للتعامل مع احتمالات الجفاف، وأجرت تدريبات لمحاكاة إدارة الموارد المائية في حالات انخفاض إيرادات نهر النيل، مستفيدة من الخبرات التي اكتسبتها خلال سنوات ملء سد النهضة.
تغيير فلسفة الزراعة
يمثل القطاع الزراعي محورًا رئيسيًا في جهود ترشيد استهلاك المياه، باعتباره أكبر القطاعات استخدامًا للموارد المائية في مصر.
ويؤكد مختصون أن الإستراتيجية الجديدة لا تستهدف فقط زيادة الرقعة الزراعية، بل تركز على تعظيم إنتاجية كل متر مكعب من المياه، من خلال تطوير أصناف نباتية أكثر تحملاً للجفاف، وتحديث نظم الري، وتحسين إدارة المحاصيل بما يتماشى مع الإستراتيجية الوطنية للموارد المائية وخطط مواجهة التغير المناخي.
الدخن يتصدر البدائل الزراعية
برز محصول الدخن خلال الفترة الأخيرة كأحد الخيارات الزراعية الواعدة، نظراً لقدرته على تحمل درجات الحرارة المرتفعة والجفاف، وإنتاجه في الأراضي الرملية وبعض المناطق المتأثرة بالملوحة، مع احتياجه إلى كميات أقل من المياه مقارنة بعدد من محاصيل الحبوب التقليدية.
وأظهرت تجارب بحثية نجاح زراعته في مناطق مختلفة مثل جنوب الصعيد والوادي الجديد وسيناء وتوشكى وشرق العوينات، مع إمكانية استخدامه في إنتاج الحبوب والأعلاف والسيلاج، ما يمنحه أهمية اقتصادية وغذائية.
ورغم ذلك، يؤكد المختصون أن الدخن لا يُطرح بديلاً مباشرًا لمحاصيل إستراتيجية مثل القمح أو الذرة، وإنما يمثل خيارًا إضافيًا يوسع قاعدة المحاصيل القادرة على التكيف مع تحديات المناخ وشح المياه.
محاصيل جديدة لتعزيز الأمن الغذائي
ولا يقتصر الاهتمام على الدخن فقط، إذ تدرس الجهات المختصة التوسع في زراعة محاصيل أخرى تتميز بكفاءة مرتفعة في استهلاك المياه، من بينها السورجم (الذرة الرفيعة)، والشعير، والكينوا، لما تتمتع به من قدرة على تحمل الجفاف والملوحة، وإمكانية زراعتها في الأراضي الجديدة والهامشية.
ويرى خبراء أن إدخال هذه المحاصيل يهدف إلى تنويع الخريطة الزراعية وتوفير بدائل مرنة تساعد الدولة على مواجهة أي تحديات مائية أو مناخية مستقبلية، مع الحفاظ على منظومة الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي.





