إبراهيم تراوري.. تصاعد الجدل حول سياسات رئيس بوركينا فاسو الانتقالي

يواصل رئيس المرحلة الانتقالية في بوركينا فاسو، النقيب إبراهيم تراوري، إثارة الجدل داخل البلاد وخارجها، بعد سلسلة من التصريحات والقرارات التي طالت ملفات تاريخية ودينية وسياسية، لتضيف فصلاً جديداً إلى مسيرة حكم بدأت بانقلاب عسكري في سبتمبر/أيلول 2022.
صعود سريع إلى قمة السلطة
ينحدر إبراهيم تراوري من عائلة مسلمة تنتمي إلى قبائل ديولا في غرب أفريقيا، والتحق بالقوات المسلحة عام 2010، قبل أن يصعد سريعاً داخل المؤسسة العسكرية.
وفي 30 سبتمبر/أيلول 2022، قاد انقلاباً عسكرياً أطاح بالرئيس الانتقالي بول هنري سانداوغو داميبا، ليصبح رئيساً لبوركينا فاسو بعد نحو 12 عاماً فقط من دخوله الجيش، في واحدة من أسرع مسارات الوصول إلى السلطة في القارة الأفريقية.
وتولى تراوري الحكم في ظل أوضاع أمنية واقتصادية معقدة، مع استمرار هجمات الجماعات المسلحة وتراجع الأوضاع المعيشية واتساع التحديات الداخلية.
تصريحات حول تاريخ العبودية تثير الجدل
أثار تراوري موجة واسعة من الجدل بعد تصريحات أدلى بها في يوليو/تموز الجاري، قال فيها إن الأفارقة تعرضوا لأكثر من ألف عام من الاستعباد على يد العرب، مضيفاً أن آخر أسواق العبيد لم تُغلق إلا عام 1962.
وأثارت هذه التصريحات ردود فعل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط الأكاديمية، حيث اعتبرها منتقدون قراءة غير دقيقة للتاريخ، مؤكدين أن تجارة الرقيق في أفريقيا شهدت مراحل متعددة شاركت فيها قوى مختلفة، من بينها القوى الاستعمارية الأوروبية التي ارتبطت بتجارة الرقيق عبر الأطلسي خلال قرون.
توجه جديد تجاه التعليم الديني
ولم تقتصر تصريحات الرئيس الانتقالي على القضايا التاريخية، بل امتدت إلى ملف التعليم الديني، إذ أعلن عزمه وقف ابتعاث الطلاب البوركينابيين لدراسة العلوم الشرعية في الخارج، والعمل على إعادة مئات الطلاب الذين يواصلون دراستهم في عدد من الدول العربية.
وبرر هذه الخطوة بأن بعض خريجي المؤسسات الدينية في الخارج يعودون، بحسب قوله، بأفكار متشددة لا تلبي احتياجات سوق العمل، مؤكداً أن الحكومة تسعى إلى إعادة توجيه الموارد نحو مجالات يراها أكثر ارتباطاً بالتنمية الاقتصادية.
وأثارت هذه التصريحات انتقادات من أكاديميين وخريجي الجامعات العربية، الذين اعتبروا أنها تعمم أحكاماً سلبية على دارسي العلوم الشرعية، وتشكك في قيمة تكوينهم العلمي.
إجراءات أثارت انتقادات
تزامنت هذه المواقف مع عدد من الإجراءات الحكومية التي أثارت نقاشاً واسعاً داخل البلاد، من بينها تشريعات تتعلق بتنظيم النشاط الديني، إضافة إلى تقارير تحدثت عن إغلاق بعض المساجد واعتقال شخصيات دينية، وهي قضايا أثارت ردود فعل متباينة بين مؤيدين يرون أنها تدخل ضمن متطلبات الأمن، ومعارضين يعتبرونها تضييقاً على الحريات الدينية.
كما تداولت وسائل إعلام ومنصات رقمية معلومات عن تهديد بعض الطلاب الدارسين في الخارج بإجراءات قانونية في حال عدم عودتهم، إلا أن تفاصيل هذه الإجراءات ومدى تطبيقها لا تزال محل نقاش.
تقارب دبلوماسي مع إسرائيل
على صعيد السياسة الخارجية، شهدت العلاقات بين بوركينا فاسو وإسرائيل تطوراً بعد استقبال تراوري للسفير الإسرائيلي الجديد في واغادوغو وتسلمه أوراق اعتماده، عقب فترة من التأخر في اعتماد البعثة الدبلوماسية.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس توجهاً براغماتياً في إدارة العلاقات الخارجية، في ظل اهتمام متزايد بالتعاون الأمني والتقني، بينما يعتبرها آخرون تحولاً لافتاً مقارنة بالخطاب السياسي الذي تبنته السلطات الانتقالية منذ وصولها إلى الحكم.
موقف من الديمقراطية
وكان تراوري قد أثار جدلاً إضافياً في أبريل/نيسان 2025 عندما صرح بأن بلاده “ليست في ديمقراطية، بل في ثورة تقدمية شعبية”، في إشارة إلى طبيعة المرحلة الانتقالية التي تقودها السلطات العسكرية.
وتبع ذلك اتخاذ سلسلة من الإجراءات السياسية، من بينها تمديد المرحلة الانتقالية، وحل الأحزاب السياسية، إضافة إلى تعليق أو حل مئات الجمعيات والمنظمات، في إطار ما تقول الحكومة إنه إعادة تنظيم للحياة السياسية وتعزيز الاستقرار.
في المقابل، ترى جهات معارضة ومنظمات حقوقية أن هذه الإجراءات تمثل تضييقاً على الحريات العامة وتراجعاً عن المسار الديمقراطي.
تحديات مستمرة
ويواجه إبراهيم تراوري تحديات متشابكة منذ وصوله إلى السلطة، تشمل الملف الأمني، والأوضاع الاقتصادية، وإدارة المرحلة الانتقالية، إضافة إلى القضايا المتعلقة بالحريات والعلاقات الخارجية.
ومع استمرار هذه الملفات دون حسم، يبقى مستقبل المرحلة الانتقالية في بوركينا فاسو مرتبطاً بقدرة السلطات على تحقيق توازن بين متطلبات الأمن والاستقرار، وبين مطالب الإصلاح السياسي والتنمية الاقتصادية، وسط متابعة إقليمية ودولية متواصلة لمسار الأوضاع في البلاد.





