دولية

دراسة: الدور السوري الجديد بين الحاجة الإقليمية واختبار الساحة اللبنانية

ترى دراسة حديثة بعنوان “الدور السوري: حاجة إقليمية واختبار لبناني” أن سوريا دخلت مرحلة جديدة من حضورها الإقليمي، ليس نتيجة استعادتها الكاملة لقوتها السياسية أو العسكرية، وإنما بسبب تزايد حاجة القوى الإقليمية والدولية إلى دورها في ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد والاستقرار الإقليمي.

وتتناول الدراسة، التي أعدها الباحث شفيق شقير، كيفية تشكل هذا الدور في ظل استمرار عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، مع اتخاذ لبنان نموذجًا لاختبار حدود هذا الحضور الجديد وإمكاناته.

عودة سوريا إلى المشهد الإقليمي

تشير الدراسة إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا يعكس اتساع الاعتراف بالحكم السوري الجديد، من خلال سلسلة من اللقاءات والزيارات السياسية رفيعة المستوى.

ومن أبرز هذه التحركات زيارة وزير الخارجية السوري إلى لبنان، حيث أكد أن دمشق تسعى إلى إقامة علاقة قائمة على التعاون بين دولتين، بعيدًا عن نمط الوصاية الذي طبع العلاقات في مراحل سابقة، مع استعدادها لتقديم المساعدة إذا جاء ذلك بطلب رسمي من الدولة اللبنانية.

كما أبرزت زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق اهتمامًا متزايدًا بإشراك سوريا في ملفات إعادة الإعمار والطاقة والممرات الاقتصادية، في حين حمل اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب على هامش قمة حلف شمال الأطلسي دلالات سياسية إضافية بشأن انفتاح سوريا على ترتيبات إقليمية ودولية جديدة.

اعتراف متزايد رغم تحديات الداخل

ترى الدراسة أن هذه التطورات تعكس انتقال سوريا من مرحلة تثبيت السلطة الجديدة إلى مرحلة بدأت فيها القوى الدولية والإقليمية تنظر إليها باعتبارها طرفًا مطلوبًا للمشاركة في معالجة ملفات تتجاوز حدودها.

ويشمل ذلك قضايا مكافحة الإرهاب، وتأمين الممرات الاقتصادية، ومستقبل لبنان، إضافة إلى ترتيبات الأمن الإقليمي والتسويات المحتملة مع إسرائيل.

إلا أن الدراسة تشير إلى مفارقة أساسية تتمثل في أن هذا الدور يتوسع في وقت لم تستكمل فيه الدولة السورية إعادة بناء مؤسساتها أو فرض سلطتها الكاملة على جميع أراضيها.

بناء الدولة لم يكتمل بعد

وتوضح الدراسة أن استكمال المؤسسات الدستورية لا يعني بالضرورة اكتمال بناء النظام السياسي الجديد أو استقرار مؤسسات الدولة.

فورغم بدء عمل مجلس الشعب واستكمال تشكيله، لا تزال الوزارات والإدارات والأجهزة الأمنية والعسكرية تمر بمرحلة إعادة تنظيم، في ظل تحديات اقتصادية ومعيشية كبيرة، تشمل ضعف الاستثمارات، وتراجع الخدمات، واستمرار معدلات الفقر المرتفعة.

كما تواجه الحكومة تحديات أمنية في عدد من المناطق، إضافة إلى استمرار التوترات المرتبطة بالوجود الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، وعدم اكتمال التفاهمات مع قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب استمرار نشاط خلايا تنظيم داعش في بعض المناطق.

ملفات معقدة تنتظر الحل

تؤكد الدراسة أن المرحلة المقبلة لن تقتصر على إعادة بناء مؤسسات الدولة، بل ستشمل أيضًا معالجة ملفات أكثر تعقيدًا، من بينها:

  • العدالة الانتقالية.
  • الإصلاح الاقتصادي.
  • إعادة الإعمار.
  • ترسيخ سيادة القانون.
  • تحديد شكل المشاركة السياسية.
  • تنظيم العلاقة بين الحكومة المركزية والمكونات المحلية.
  • صياغة هوية النظام السياسي الجديد.

وترى الدراسة أن هذه القضايا ستحدد مدى قدرة الدولة السورية على تحقيق الاستقرار الداخلي بصورة مستدامة.

لماذا لا ينتظر الإقليم اكتمال البناء؟

وتطرح الدراسة سؤالًا رئيسيًا حول أسباب تعويل القوى الإقليمية والدولية على سوريا قبل اكتمال إعادة بناء مؤسساتها.

وتجيب بأن الموقع الجغرافي والسياسي لسوريا جعل دورها الإقليمي مرتبطًا تاريخيًا باستقرار المشرق، بحيث يصعب فصل عملية إعادة بناء الدولة عن موقعها في المعادلات الإقليمية.

كما تشير إلى أن سوريا، بعد سنوات الحرب، تحتاج إلى تعاون خارجي واسع لإعادة بناء مؤسساتها، بينما تحتاج الدول المجاورة والقوى الدولية في المقابل إلى دور سوري فاعل للمساهمة في إدارة ملفات الأمن، والهجرة، والطاقة، ومكافحة الإرهاب.

لبنان ساحة الاختبار الأولى

تعتبر الدراسة أن لبنان يمثل النموذج الأوضح لاختبار طبيعة الدور السوري الجديد، نظرًا لتداخل المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية بين البلدين، إضافة إلى تشابك المصالح الإقليمية والدولية على الساحة اللبنانية.

وترى أن نجاح سوريا في بناء علاقة قائمة على التعاون مع الدولة اللبنانية، بعيدًا عن نماذج التدخل السابقة، سيكون أحد المؤشرات المهمة على طبيعة دورها الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.

وفي المقابل، فإن أي تعثر في هذا المسار قد ينعكس على صورة الدور السوري الجديد وحدود قدرته على التأثير في ملفات المنطقة.

بين الفرصة والتحدي

وتخلص الدراسة إلى أن سوريا تعيش مرحلة انتقالية تجمع بين توسع حضورها الخارجي واستمرار التحديات الداخلية. فبينما يتزايد الطلب الإقليمي والدولي على دورها في ملفات متعددة، لا تزال عملية إعادة بناء الدولة ومؤسساتها تواجه اختبارات سياسية وأمنية واقتصادية معقدة.

وترى الدراسة أن مستقبل هذا الدور سيظل مرتبطًا بقدرة دمشق على تحقيق التوازن بين متطلبات إعادة بناء الداخل والاستجابة للتوقعات المتزايدة لدورها في محيطها الإقليمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى