تقنية

إكس موني.. كيف تسعى شركات التكنولوجيا إلى منافسة البنوك في عالم المدفوعات الرقمية؟

لم تعد شركات التكنولوجيا الكبرى تكتفي بتقديم خدمات التواصل الاجتماعي والتجارة الإلكترونية، بل بدأت تتوسع بصورة متسارعة في قطاع الخدمات المالية، مستفيدة من الانتشار الواسع للمدفوعات الرقمية وتغير سلوك المستخدمين، في وقت تسعى فيه هذه الشركات إلى بناء منظومات متكاملة تجمع مختلف احتياجات المستخدم داخل منصة واحدة.

وتبرز منصة إكس، المملوكة للملياردير الأمريكي إيلون ماسك، بوصفها واحدة من أبرز الشركات التي تتبنى هذا التوجه، بعدما أطلقت في 28 يوليو/تموز الماضي خدمة “إكس موني” (X Money)، في خطوة جديدة ضمن مشروع تحويل المنصة إلى ما يشبه “تطبيقا لكل شيء” يجمع التواصل الاجتماعي والخدمات المالية والتجارة والمدفوعات الرقمية.

إكس موني تنطلق من السوق الأميركية

بدأت خدمة إكس موني داخل الولايات المتحدة، وأصبحت متاحة للمستخدمين المؤهلين المشتركين في باقتي “بريميم” و”بريميم بلس”، بينما لم تحدد الشركة موعدا رسميا لإطلاق الخدمة في الأسواق الدولية.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه الخدمات المالية الرقمية توسعا كبيرا، مع تزايد اعتماد المستهلكين على المحافظ الإلكترونية والتحويلات الفورية والبطاقات الرقمية بدلا من الوسائل المصرفية التقليدية.

ولا تبدو إكس موني مجرد محفظة إلكترونية محدودة الوظائف، إذ تسعى الخدمة إلى تقديم مجموعة واسعة من الأدوات المالية، من بينها فتح حسابات إيداع، وتحويل الأموال بين المستخدمين، واستقبال الرواتب عبر الإيداع المباشر، ودفع الفواتير، وإجراء التحويلات البنكية، إلى جانب إدارة الأموال من خلال محفظة رقمية موحدة.

كما تتضمن الخدمة بطاقات “فيزا” افتراضية وفعلية، وإمكانية استخدامها في نقاط البيع، فضلا عن مزايا تتعلق بالسحب من أجهزة الصراف الآلي وبعض المعاملات الدولية، وبرنامج للاسترجاع النقدي على مشتريات محددة.

وتدعم المنظومة كذلك التكامل مع خدمات الدفع الرقمية مثل “آبل باي” و”غوغل باي”، بما يسمح للمستخدم بإجراء معاملاته اليومية من خلال البيئة الرقمية نفسها.

ليست بنكا مستقلا

رغم اتساع الخدمات التي تقدمها إكس موني، فإن الخدمة لا تعمل بوصفها بنكا مستقلا، بل تعتمد على شراكات مع مؤسسات مالية مرخصة.

وتودع أموال العملاء لدى بنك “كروس ريفر”، الذي يخضع للأنظمة المصرفية الأميركية، بينما تؤدي إكس دور المنصة التي تقدم تجربة الاستخدام والخدمات الرقمية للمستهلك.

وتوفر الخدمة حسابات إيداع بعائد سنوي يصل إلى 6% للأرصدة المؤهلة، إلى جانب مزايا أخرى تستهدف جذب المستخدمين، مثل الاسترجاع النقدي.

وتتمتع الودائع بالحماية المقررة من المؤسسة الفيدرالية الأميركية لتأمين الودائع، بحد يصل إلى 250 ألف دولار لكل مودع وفقا للشروط المعمول بها، في حين يتيح برنامج “ضخ النقود” توزيع الأموال على مجموعة من البنوك المشاركة لرفع سقف الحماية.

ويكشف هذا النموذج عن تحول مهم في طبيعة العلاقة بين شركات التكنولوجيا والمؤسسات المصرفية؛ فالشركة التقنية لا تحتاج بالضرورة إلى إنشاء بنك كامل من الصفر، وإنما يمكنها الاعتماد على البنية التحتية المصرفية القائمة وتقديمها للمستخدم عبر واجهة رقمية أكثر سهولة.

لماذا تدخل شركات التكنولوجيا عالم المال؟

يرتبط هذا التحول برغبة شركات التكنولوجيا في زيادة الوقت الذي يقضيه المستخدم داخل منصاتها، وتحويلها من أدوات للتواصل أو استهلاك المحتوى إلى منظومات اقتصادية متكاملة.

فالمستخدم الذي يدخل منصة اجتماعية لمتابعة الأخبار أو التواصل مع الآخرين يمكن أن ينتقل داخل المنصة نفسها إلى شراء منتج، ثم دفع قيمته، وتحويل الأموال إلى مستخدم آخر، وربما تلقي راتبه أو عائداته من خلال الحساب ذاته.

وبذلك تصبح الشركة قادرة على ربط مجموعة من الأنشطة التي كانت تتم سابقا عبر خدمات ومؤسسات منفصلة.

ويرى خبراء أن هذا النموذج قد يمنح شركات التكنولوجيا ميزة مهمة، لأنها تمتلك بالفعل قاعدة ضخمة من المستخدمين وبيانات واسعة عن سلوكهم الرقمي، إلى جانب خبرة كبيرة في تصميم واجهات الاستخدام وتسهيل العمليات الرقمية.

لكن امتلاك قاعدة جماهيرية ضخمة لا يعني تلقائيا النجاح في القطاع المالي، إذ تختلف طبيعة الخدمات المالية عن منصات التواصل والتجارة، خصوصا فيما يتعلق بالثقة والامتثال وحماية الأموال والبيانات.

الثقة والتشريعات أكبر التحديات

يمثل التنظيم المالي أحد أبرز العقبات أمام توسع الخدمات المالية التي تطورها شركات التكنولوجيا.

فأي شركة ترغب في تقديم حسابات مالية أو خدمات دفع وتحويل أموال تحتاج إلى الالتزام بمجموعة واسعة من القواعد المتعلقة بمكافحة غسل الأموال، ومعرفة العملاء، وحماية المستهلك، وأمن المعلومات، والخصوصية وإدارة المخاطر.

ولهذا فإن توسع إكس موني خارج الولايات المتحدة لن يكون مجرد قرار تجاري، بل سيحتاج إلى التعامل مع قوانين مختلفة من دولة إلى أخرى.

كما أن الثقة تمثل عاملا حاسما، لأن المستخدم قد يكون مستعدا لاستخدام منصة اجتماعية للتواصل أو مشاهدة المحتوى، لكنه قد يتردد في إيداع مدخراته أو راتبه فيها.

وتزداد حساسية هذه المسألة بسبب الجمع بين البيانات الاجتماعية والمالية داخل منظومة واحدة، إذ يمكن للمعلومات المتعلقة بما يشاهده المستخدم أو يتابعه أو يتفاعل معه أن تتقاطع مع بيانات مشترياته وتحويلاته المالية.

الأمن السيبراني في قلب المنافسة

يمثل الأمن السيبراني أحد أهم الشروط التي ستحدد قدرة الخدمات المالية الرقمية على التوسع.

فالمنصات التي تدير الأموال تصبح أهدافا جذابة للمهاجمين، سواء من خلال سرقة الحسابات أو التصيد الاحتيالي أو الهندسة الاجتماعية أو البرمجيات الخبيثة أو استغلال الثغرات التقنية.

ويحتاج هذا النوع من الخدمات إلى أنظمة مصادقة قوية ومتعددة العوامل، ومراقبة مستمرة للمعاملات، وآليات للكشف عن العمليات المشبوهة، فضلا عن تشفير البيانات وحماية البنية التحتية.

كما يتعين على الشركات وضع حدود واضحة بين البيانات المتعلقة بالتواصل الاجتماعي والبيانات المالية، مع اعتماد سياسات شفافة تحدد كيفية جمع المعلومات واستخدامها ومشاركتها.

ومن هذه الزاوية، فإن نجاح إكس موني لن يعتمد على سهولة إرسال الأموال فقط، وإنما على قدرة الشركة على إقناع المستخدم بأن أمواله وبياناته ستكون محمية بالمعايير نفسها التي يتوقعها من مؤسسة مالية تقليدية.

منافسة مختلفة للبنوك التقليدية

لا يعني دخول شركات التكنولوجيا قطاع المدفوعات أن البنوك التقليدية ستختفي، بل قد يؤدي إلى ظهور نموذج جديد يقوم على التعاون بين الطرفين.

فشركات التكنولوجيا تتميز بامتلاك قواعد مستخدمين واسعة وتجارب رقمية متطورة، بينما تمتلك البنوك خبرة طويلة في إدارة الودائع والائتمان والامتثال التنظيمي وإدارة المخاطر.

ومن ثم يمكن أن تصبح البنوك مزودة للبنية التحتية المالية، في حين تتولى شركات التكنولوجيا بناء الواجهة التي يتعامل معها المستخدم.

ويعني ذلك أن المنافسة المستقبلية قد لا تكون بين “البنوك” و”شركات التكنولوجيا” بصورة مباشرة، وإنما بين منظومات مختلفة تجمع الطرفين بدرجات متفاوتة.

وقد تجد البنوك نفسها مضطرة إلى تطوير واجهات برمجية مفتوحة وشراكات مع منصات رقمية حتى تحافظ على حضورها في حياة العملاء، بدلا من الاكتفاء بدورها التقليدي.

هل تنجح إكس موني في الشرق الأوسط؟

تمثل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سوقا محتملة مهمة للخدمات المالية الرقمية، لكنها في الوقت نفسه من أكثر الأسواق تعقيدا من الناحية التنظيمية.

وتتميز دول الخليج بارتفاع معدلات استخدام المدفوعات الإلكترونية وامتلاكها بنية تحتية متقدمة للخدمات المالية الرقمية، الأمر الذي قد يجعلها من الأسواق الجاذبة لأي توسع مستقبلي.

وفي المقابل، تتمتع دول مثل مصر والمغرب وغيرها من أسواق شمال أفريقيا بقاعدة سكانية كبيرة وحجم مهم من تحويلات العاملين في الخارج، وهو ما يمكن أن يفتح المجال أمام خدمات مالية تركز على التحويلات منخفضة التكلفة.

وقد تستفيد شركات التكنولوجيا كذلك من دمج الخدمات المالية مع اقتصاد صناعة المحتوى، بحيث يستطيع صناع المحتوى تلقي عائداتهم مباشرة، أو من خلال تقديم حلول دفع للشركات الصغيرة والمتوسطة تجمع بين التسويق والتواصل والبيع والتحصيل.

لكن دخول هذه الأسواق يتطلب الحصول على التراخيص المحلية والالتزام بالقوانين المصرفية وقواعد حماية البيانات، إضافة إلى التوافق مع أنظمة الدفع الوطنية.

نموذج “التطبيق لكل شيء”

يعكس إطلاق إكس موني رؤية أوسع لدى إيلون ماسك لتحويل منصة إكس إلى منظومة رقمية متعددة الاستخدامات.

فبدلا من أن تكون المنصة مجرد موقع للتواصل ونشر المحتوى، تسعى الخطة إلى جعلها نقطة تجمع للخدمات المختلفة، حيث يمكن للمستخدم التواصل، واستهلاك المحتوى، والتسوق، وتحويل الأموال، وإجراء المدفوعات من مكان واحد.

ويمثل هذا النموذج اتجاها عالميا متناميا، إذ تحاول شركات التكنولوجيا تقليل اعتماد المستخدم على التطبيقات المتعددة من خلال تقديم أكبر عدد ممكن من الخدمات داخل منصة واحدة.

غير أن توسيع نطاق الخدمات يعني أيضا زيادة حجم المسؤوليات والمخاطر، خصوصا عندما تصبح المنصة مسؤولة في الوقت نفسه عن المحتوى والبيانات والعمليات التجارية والمالية.

وفي النهاية، ستكون قدرة إكس موني على بناء الثقة والامتثال للأنظمة وحماية أموال المستخدمين هي العامل الأكثر أهمية في تحديد ما إذا كانت الخدمة ستتحول إلى منافس حقيقي في قطاع المدفوعات، أم ستبقى مجرد إضافة مالية إلى منظومة إكس الواسعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى