كيف صنعت الصين هيمنتها على سوق السيارات الكهربائية العالمي؟

لم يعد الصراع في صناعة السيارات الكهربائية مقتصرا على تطوير التصميم أو تحسين مدى القيادة، بل تحول إلى منافسة شاملة للسيطرة على مختلف حلقات سلسلة القيمة، من تأمين المعادن والمواد الخام، إلى تصنيع البطاريات والبرمجيات، ثم الإنتاج والتصدير إلى الأسواق العالمية.
وخلال أقل من عقدين، تمكنت الصين من الانتقال من موقع متأخر نسبيا في صناعة السيارات التقليدية إلى صدارة قطاع السيارات الكهربائية، متقدمة على قوى صناعية عريقة في أوروبا والولايات المتحدة واليابان. ويعزو خبراء في قطاع الطاقة هذا التحول إلى استراتيجية صناعية طويلة الأمد تبنتها بكين واستثمرت فيها على مدى سنوات.
رهان مبكر على صناعة المستقبل
مع بداية الألفية الجديدة، أدركت الحكومة الصينية أن منافسة الشركات الغربية واليابانية في مجال محركات الاحتراق الداخلي ستكون مهمة صعبة، لذلك اختارت السيارات الكهربائية باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل قواعد المنافسة في صناعة السيارات.
ومنذ ذلك الوقت، تبنت بكين مجموعة من السياسات التي استهدفت بناء صناعة متكاملة، شملت تقديم حوافز مالية للمستهلكين، وإعفاءات ضريبية، وتمويل مشاريع البحث والتطوير، إلى جانب تشجيع الحكومات المحلية على التوسع في إنشاء محطات شحن السيارات الكهربائية.
كما فرضت السلطات معايير إنتاج وحصصا للمركبات الكهربائية، وهو ما دفع الشركات الصينية إلى تسريع تطوير منتجاتها والتقنيات المرتبطة بها بدلا من الاعتماد على صناعة السيارات التقليدية.
وساعدت هذه السياسة في تكوين أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم، وهو ما منح الشركات المحلية ميزة اقتصاديات الحجم، وجعلها قادرة على الإنتاج بكميات ضخمة وبكلفة أقل، وهي ميزة يصعب على المنافسين في الأسواق الأخرى محاكاتها بسرعة.
البطاريات.. مركز القوة الصينية
تمثل البطارية العنصر الأكثر أهمية في السيارة الكهربائية، وهنا بنت الصين واحدة من أبرز نقاط تفوقها في السوق العالمية.
ووفقا لتقرير «آفاق المركبات الكهربائية العالمية» الصادر عن وكالة الطاقة الدولية، استحوذت الصين خلال عام 2025 على أكثر من 80% من إنتاج خلايا البطاريات في العالم. ولم يقتصر النفوذ الصيني على تصنيع الخلايا، بل امتد إلى المواد الأساسية المستخدمة في إنتاجها.
وتستحوذ الصين على نحو 85% من مواد الكاثود وأكثر من 90% من مواد الأنود المستخدمة عالميا، ما يمنحها نفوذا واسعا على واحدة من أهم مراحل تصنيع البطاريات.
وتتصدر شركات مثل «كاتل» و«بي واي دي» هذا القطاع، بعدما تحولت إلى موردين رئيسيين للبطاريات لعدد كبير من شركات السيارات حول العالم، ولم تعد أنشطتهما مقتصرة على السوق الصينية.
النفوذ يمتد إلى المواد الخام
لا تعتمد الهيمنة الصينية على البطاريات وحدها، إذ عملت الشركات الصينية على بناء حضور قوي في مختلف مراحل سلسلة الإمداد.
وخلال السنوات الماضية، استثمرت شركات صينية في مشاريع استخراج الليثيوم والنيكل والكوبالت داخل الصين وخارجها، ولا سيما في أفريقيا وأمريكا الجنوبية وأستراليا، بالتزامن مع تطوير قدرات كبيرة في تكرير هذه المعادن ومعالجتها وتحويلها إلى مواد تدخل مباشرة في التصنيع.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الصين تتولى تكرير نحو ثلثي الليثيوم العالمي، كما تتمتع بموقع مهيمن في معالجة النيكل والغرافيت.
وتمنح هذه السيطرة الشركات الصينية قدرة أكبر على تأمين احتياجاتها من المواد الخام، وتقليل مخاطر اضطراب الإمدادات، فضلا عن خفض تكاليف الإنتاج مقارنة بعدد كبير من المنافسين.
الإنتاج الضخم سلاح لخفض الأسعار
يعد حجم الإنتاج أحد أهم العوامل التي ساعدت الصين على تعزيز موقعها في سوق السيارات الكهربائية.
فالسوق المحلية الضخمة وفرت للشركات الصينية قاعدة واسعة من المستهلكين، الأمر الذي أتاح لها إنتاج أعداد كبيرة من السيارات والاستفادة من وفورات الحجم، في حين أدت المنافسة الحادة بين عشرات الشركات إلى تسريع التطوير والضغط على الأسعار.
ورغم أن المنافسة الشديدة ساهمت في تقليص هوامش أرباح بعض الشركات، فإنها دفعت المصنّعين في المقابل إلى ابتكار تقنيات جديدة وخفض تكاليف الإنتاج.
وتوضح بيانات وكالة الطاقة الدولية أن أسعار حزم البطاريات في الصين تراجعت بنحو 30% خلال عام 2024، مقابل انخفاض تراوح بين 10% و15% في أوروبا والولايات المتحدة، وهو فارق عزز القدرة التنافسية للسيارات الصينية في الأسواق العالمية.
السيارة الصينية تتحول إلى منصة رقمية
لم تتعامل الشركات الصينية مع السيارة الكهربائية باعتبارها مجرد مركبة تعمل بمحرك مختلف، بل اتجهت إلى تحويلها إلى منصة رقمية متصلة بالإنترنت.
وتوفر العديد من الطرازات الجديدة تحديثات للبرمجيات عبر الإنترنت، وأنظمة قيادة ومساعدة ذكية، وتقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، إلى جانب شاشات كبيرة وأنظمة تشغيل متطورة وتكامل مع الهواتف الذكية والخدمات السحابية.
وأتاح الجمع بين صناعة السيارات والإلكترونيات والبرمجيات للشركات الصينية تقديم مزايا تقنية بوتيرة سريعة، وهو ما ساعدها على تقليص الفجوة مع شركات السيارات التقليدية التي تمتلك خبرة طويلة في تصنيع المركبات العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي.
التوسع خارج الصين
بعد بناء قاعدة قوية في السوق المحلية، بدأت الشركات الصينية في توسيع حضورها خارج حدود البلاد، مستهدفة أسواقا في أوروبا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا.
وتشهد علامات مثل «بي واي دي» و«إم جي» و«نيو» و«إكس بنغ» نموا متزايدا في الأسواق الخارجية، مستفيدة من الجمع بين الأسعار التنافسية والتجهيزات التقنية الحديثة.
كما حققت «بي واي دي» خلال عام 2026 مستويات قياسية في صادراتها، في مؤشر على اتساع حضور شركات السيارات الكهربائية الصينية عالميا وتسارع انتقالها من الاعتماد على السوق المحلية إلى المنافسة المباشرة في الأسواق الدولية.
تفوق قائم على سلسلة متكاملة
ويظهر المسار الصيني في صناعة السيارات الكهربائية أن التفوق لم ينتج عن عامل واحد، بل عن بناء منظومة صناعية مترابطة تبدأ من المواد الخام ولا تنتهي عند السيارة التي تصل إلى المستهلك.
فالصين جمعت بين دعم حكومي طويل الأمد، وسوق محلية ضخمة، وسيطرة واسعة على تصنيع البطاريات ومعالجة المواد الخام، وقدرات إنتاجية هائلة، واستثمارات في البرمجيات والتقنيات الذكية، ثم وظفت هذه المزايا في التوسع نحو الأسواق الخارجية.
وبذلك أصبحت المنافسة في السيارات الكهربائية بالنسبة إلى الصين أكثر من مجرد سباق على إنتاج سيارة أفضل؛ إنها منافسة للسيطرة على التكنولوجيا والمواد الخام والبطاريات والتصنيع وسلاسل الإمداد في آن واحد، وهو ما منح شركاتها موقعا متقدما في التحول العالمي نحو النقل الكهربائي.





