تقنية

كيف تجعل خوارزميات إنستغرام مغادرة التطبيق أمرا صعبا؟

لم يعد Instagram مجرد تطبيق لمشاركة الصور ومقاطع الفيديو، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى منظومة تقنية تعتمد بدرجة كبيرة على الذكاء الاصطناعي وتحليل السلوك الرقمي بهدف تقديم محتوى مخصص لكل مستخدم وزيادة مدة بقائه داخل المنصة.

وتعمل هذه المنظومة على تحليل عدد كبير من الإشارات التي ينتجها المستخدم أثناء تصفحه، بدءا من المنشورات التي يضغط عليها ويشاركها، وصولا إلى الوقت الذي يتوقف فيه أمام مقطع معين أو سرعة انتقاله بين المحتويات. ومع تراكم هذه البيانات، تصبح المنصة أكثر قدرة على توقع ما قد يجذب انتباه المستخدم لاحقا.

Image
Image
Image
Image
Image

خوارزميات التوصية تصنع تجربة مختلفة لكل مستخدم

تعتمد شركة Meta Platforms المالكة لإنستغرام على أنظمة تعلم آلي لترتيب المحتوى الذي يظهر للمستخدم. ولا يحصل جميع الأشخاص على الصفحة نفسها، لأن الخوارزمية تبني توصياتها استنادا إلى السلوك السابق لكل حساب.

ومن بين الإشارات التي يمكن أن تؤثر في ترتيب المحتوى الحسابات التي يتابعها الشخص، والمنشورات التي يتفاعل معها، ومقاطع الفيديو التي يشاهدها لفترة أطول، إضافة إلى عمليات الإعجاب والتعليق والحفظ والمشاركة.

وبمرور الوقت، تتكون صورة أكثر دقة عن اهتمامات المستخدم، فتزداد قدرة النظام على تقديم محتوى ينسجم مع ما يرجح أن يلفت انتباهه.

التمرير اللانهائي يقلل نقاط التوقف

يعد التمرير اللانهائي من أكثر عناصر تصميم المنصة تأثيرا في سلوك الاستخدام. فبدلا من الوصول إلى نهاية واضحة للمحتوى، يستمر التطبيق في تحميل منشورات ومقاطع جديدة كلما واصل المستخدم التمرير.

وتكمن أهمية هذه الآلية في أنها تزيل إحدى نقاط التوقف الطبيعية التي يمكن أن تدفع الشخص إلى إغلاق التطبيق. فالمستخدم لا يحتاج إلى اتخاذ قرار واضح بالانتقال إلى صفحة جديدة أو البحث عن محتوى إضافي، وإنما يحصل على مادة جديدة بمجرد مواصلة التمرير.

كما أن كل تفاعل جديد يوفر للخوارزميات إشارة إضافية يمكن استخدامها لتحسين المحتوى الذي سيظهر في الخطوة التالية.

ريلز.. سباق مستمر على جذب الانتباه

أصبحت مقاطع ريلز من أهم مكونات تجربة إنستغرام، خصوصا بسبب طبيعتها السريعة وقدرتها على تقديم محتوى متتابع دون توقف.

ولا يعتمد ترتيب المقاطع بالضرورة على عدد المشاهدات وحده، بل يمكن أن تدخل في التقييم مؤشرات مثل احتمال مشاهدة الفيديو حتى نهايته، وإعادة تشغيله، ومشاركته، أو التفاعل معه.

وبذلك تتعلم الخوارزمية تدريجيا نوعية المقاطع التي تجعل المستخدم يستمر في المشاهدة، ثم تستخدم هذه المعرفة لتقديم مقاطع مشابهة أو مرتبطة باهتماماته.

كل تفاعل يتحول إلى إشارة للخوارزمية

لا تحتاج المنصة إلى معرفة رأي المستخدم بشكل مباشر حتى تستنتج اهتمامه بمحتوى معين. فقد تكون مدة المشاهدة وحدها إشارة مهمة، وكذلك العودة إلى مقطع سابق أو التوقف عند منشور لفترة أطول من المعتاد.

وتندرج هذه الممارسات ضمن مجال تحليل السلوك الرقمي، إذ تستخدم البيانات الناتجة عن التفاعل لبناء نماذج قادرة على اكتشاف الأنماط والتنبؤ بالاختيارات المستقبلية.

وهنا تظهر إحدى أهم خصائص المنصات الحديثة: المستخدم لا يستهلك المحتوى فقط، بل يساهم في الوقت نفسه في تدريب النظام الذي سيحدد المحتوى التالي الذي سيشاهده.

الإشعارات تعيد المستخدم إلى التطبيق

لا ينتهي دور الخوارزميات بمجرد خروج المستخدم من إنستغرام، إذ تلعب الإشعارات دورا في محاولة جذبه مرة أخرى.

وتشمل هذه الإشعارات التنبيهات المتعلقة بالإعجابات والرسائل والتفاعلات الجديدة ونشاط الحسابات التي يتابعها المستخدم. ومن خلال توقيت وطبيعة هذه التنبيهات، تستطيع المنصة زيادة احتمالات عودة الشخص إلى التطبيق خلال اليوم.

وبالتالي تصبح تجربة الاستخدام حلقة متكررة: محتوى يجذب الانتباه، تفاعل ينتج بيانات، بيانات تحسن التوصيات، ثم توصيات أكثر دقة تؤدي إلى مزيد من التفاعل.

اقتصاد الانتباه وراء المنافسة

ترتبط هذه الآليات بمفهوم يعرف باسم اقتصاد الانتباه، حيث تصبح مدة انتباه المستخدم موردا مهما تتنافس المنصات الرقمية على الحصول عليه.

وفي هذا النموذج، لا تقتصر المنافسة على عدد المستخدمين المسجلين، بل تشمل مقدار الوقت الذي يقضيه هؤلاء داخل التطبيق وعدد المرات التي يعودون فيها إليه.

ولهذا السبب تستثمر شركات التكنولوجيا بكثافة في أنظمة التوصية والذكاء الاصطناعي؛ فكلما أصبحت المنصة أكثر قدرة على توقع ما يثير اهتمام المستخدم، زادت احتمالات استمرار استخدامه لها.

هل تستخدم المنصات ما يعرف بالأنماط المظلمة؟

يثير تصميم بعض منصات التواصل الاجتماعي نقاشا أوسع حول ما يعرف بـالأنماط المظلمة، وهي أساليب في تصميم واجهات الاستخدام يمكن أن تؤثر في قرارات المستخدم أو تدفعه نحو سلوك معين.

ولا يعني ذلك أن كل خاصية مصممة لزيادة التفاعل تمثل بالضرورة نمطا مظلما، لكن الباحثين والجهات التنظيمية يدرسون ما إذا كانت بعض التصاميم تجعل تقليل الاستخدام أو التحكم فيه أكثر صعوبة مقارنة بالاستمرار في التصفح.

ومن بين العناصر التي تحظى بالاهتمام التمرير المستمر، والتوصيات الشخصية، وآليات الإشعارات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمستخدمين الأصغر سنا.

أوروبا تراقب تأثير تصميم المنصات

انتقل الجدل حول تصميم منصات التواصل من المجال الأكاديمي إلى المجال التنظيمي، إذ تخضع بعض خصائص المنصات الرقمية في أوروبا للتدقيق في إطار القواعد الرامية إلى حماية المستخدمين، ولا سيما القُصّر.

وفي المقابل، تقول ميتا إن أنظمة التوصية تهدف إلى مساعدة المستخدمين على اكتشاف محتوى يتوافق مع اهتماماتهم، كما توفر أدوات تساعد على إدارة وقت الاستخدام، من بينها تذكيرات أخذ فترات راحة وإعدادات للتحكم في الإشعارات وتخصيص المحتوى.

الخوارزمية أصبحت جزءا أساسيا من المنتج

تكشف تجربة إنستغرام عن تحول جوهري في طبيعة منصات التواصل الاجتماعي. فالمنافسة لم تعد تعتمد فقط على إضافة وظائف جديدة، وإنما أصبحت تعتمد بدرجة متزايدة على قدرة الخوارزميات على فهم المستخدم والتنبؤ باهتماماته.

ومن منظور تقني، فإن ما يجعل مغادرة التطبيق أكثر صعوبة ليس عاملا واحدا، بل منظومة متكاملة تجمع بين التوصيات الشخصية، والتمرير اللانهائي، ومقاطع الفيديو القصيرة، وتحليل السلوك والإشعارات.

وبينما ترى الشركات أن هذه الأدوات تساعد المستخدم على الوصول إلى المحتوى الذي يفضله، يواصل الباحثون والجهات التنظيمية دراسة الحدود الفاصلة بين تحسين تجربة الاستخدام وتصميم تجربة تدفع المستخدم إلى البقاء لفترة أطول مما كان ينوي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى