الذكاء الاصطناعي في النفط.. ثورة تقنية قد تخفض الانبعاثات أو تطيل عمر الوقود الأحفوري

يحمل الذكاء الاصطناعي إمكانات كبيرة لتحسين كفاءة استهلاك الطاقة وتقليل الانبعاثات، لكن توسعه السريع داخل صناعة النفط والغاز يكشف مفارقة بيئية معقدة. فالتقنيات نفسها التي يمكن أن تحسن أداء توربينات الرياح وتساعد في رصد تسربات الميثان، تستطيع أيضا تمكين شركات النفط والغاز من اكتشاف مكامن جديدة، وتحسين عمليات الحفر، وخفض تكاليف الاستخراج وزيادة الإنتاج.
وتتزامن هذه التطورات مع طفرة عالمية في الاستثمار بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وهو ما يفتح نقاشا أوسع حول كيفية قياس البصمة البيئية لهذه التكنولوجيا، إذ لا يكفي احتساب الكهرباء التي تستهلكها الخوادم، بل ينبغي أيضا النظر إلى الانبعاثات الناتجة عن التطبيقات التي تدعمها الخوارزميات في القطاعات المختلفة.
إنتاج نفطي أكثر كفاءة وأقل تكلفة
تتمثل إحدى أبرز مزايا الذكاء الاصطناعي في قدرته على معالجة كميات ضخمة من البيانات الجيولوجية والزلزالية خلال وقت قصير، بما يساعد شركات الطاقة على تحليل باطن الأرض بصورة أكثر دقة.
وتستخدم الخوارزميات في تفسير البيانات الزلزالية، ومحاكاة المكامن النفطية، واختيار مواقع الآبار، وتحسين معايير الحفر، فضلا عن التنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، وهو ما يقلل فترات التوقف ويرفع كفاءة العمليات.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن شركات النفط والغاز كانت من أوائل القطاعات التي تبنت تقنيات الحوسبة المتقدمة. وارتفع عدد الحواسيب العملاقة التي تديرها شركات الطاقة والمدرجة ضمن قائمة أسرع 500 حاسوب في العالم من 11 جهازا عام 2000 إلى 24 جهازا في 2024.
وأصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي تشمل مجالات متعددة داخل الصناعة، من تحليل البيانات الجيولوجية ومحاكاة المكامن إلى الصيانة التنبؤية، واكتشاف التسربات، وأتمتة العمليات.
أرامكو وإكسون موبيل في مقدمة السباق
تقدم أرامكو السعودية نموذجا واضحا على توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة النفط، إذ تستخدم الشركة تقنيات متقدمة لتفسير البيانات الزلزالية، ونمذجة باطن الأرض، وتحديد مواقع الآبار وتحسين عمليات الحفر.
وفي مايو/أيار 2024، أعلنت أرامكو مشروعا بقيمة 372.5 مليون دولار لنشر حاسوب فائق مخصص لمعالجة البيانات الزلزالية ونمذجة المكامن، بهدف دعم عمليات اكتشاف الهيدروكربونات واستردادها.
وفي الولايات المتحدة، تقول إكسون موبيل إن نظاما استشاريا للحفر يعتمد على الذكاء الاصطناعي ويعمل في عملياتها البحرية في غيانا قادر على تحديد معايير الحفر المثلى. كما توظف الشركة تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتحسين عملياتها في حوض برميان.
وتكشف هذه التطبيقات عن تحول الذكاء الاصطناعي من أداة لتحليل البيانات إلى عنصر مؤثر في القرارات التشغيلية، بما يمكن أن يرفع إنتاجية الآبار ويخفض الوقت والتكلفة اللازمين للوصول إلى النفط والغاز.
الكفاءة قد تتحول إلى مشكلة مناخية
رغم المكاسب التشغيلية، تبرز هنا مفارقة أساسية: إذا جعل الذكاء الاصطناعي استخراج النفط والغاز أكثر كفاءة وأقل تكلفة، فقد يصبح إنتاج كميات إضافية من الوقود الأحفوري أكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية.
وحاولت دراسة نشرت في دورية “إن بي جيه كلايمت أكشن” في أغسطس/آب 2024 قياس هذه المفارقة، من خلال نمذجة عشرات السيناريوهات التي شملت استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاعات الطاقة الأحفورية والمتجددة.
وخلص الباحثون إلى أن مكاسب الإنتاجية التي يمكن أن يحققها الذكاء الاصطناعي في قطاع الوقود الأحفوري قد تتجاوز الوفورات التي يحققها في قطاع الطاقة النظيفة.
وفي بعض السيناريوهات التي يتوسع فيها استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعين، قد ترتفع الانبعاثات العالمية بنحو 0.47 إلى 1.8 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا، أي ما يعادل نحو 1.2% إلى 4.8% من انبعاثات قطاع الطاقة العالمية في عام 2024.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي حتما إلى هذه الزيادة في الانبعاثات، فهي نتائج لنماذج تعتمد على افتراضات تتعلق بسرعة تبني التكنولوجيا وحجم مكاسب الإنتاجية.
كما تشير الدراسة إلى إمكانية تحول التأثير المناخي لمصلحة الذكاء الاصطناعي إذا كانت مكاسب الإنتاجية في قطاع الطاقة المتجددة أكبر بنحو أربعة إلى خمسة أضعاف المكاسب المحققة في قطاع الوقود الأحفوري.
الوجه الأخضر للتكنولوجيا
في المقابل، سيكون من غير الدقيق اختزال الذكاء الاصطناعي في كونه أداة لتوسيع إنتاج النفط وزيادة التلوث، إذ ترى وكالة الطاقة الدولية أن هذه التكنولوجيا تمتلك إمكانات كبيرة لتحسين أداء أنظمة الطاقة.
ويمكن للذكاء الاصطناعي تحسين كفاءة الشبكات، والتنبؤ بإنتاج الطاقة المتجددة، وتسريع عمليات الصيانة، فضلا عن استخدامه في رصد تسربات الميثان من منشآت النفط والغاز من خلال تحليل بيانات الأقمار الصناعية.
وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة، لأن الميثان يعد من الغازات الدفيئة شديدة التأثير، فيما توجد فرص عديدة لخفض انبعاثاته من قطاع الطاقة بتكاليف منخفضة، وفي بعض الحالات دون تكلفة صافية.
لكن تحسين كفاءة كل برميل يتم إنتاجه لا يعني بالضرورة انخفاض الأثر البيئي للصناعة ككل. فإذا أدت الخوارزميات إلى خفض تكلفة الاستكشاف والحفر، وفتح الطريق أمام اكتشاف مكامن جديدة وتسريع استخراجها، فإن الانبعاثات الناتجة عن زيادة الإنتاج قد تتجاوز الوفورات الناجمة عن تحسين الكفاءة.
مراكز البيانات ليست وحدها مصدر الأثر البيئي
يتسع النقاش أيضا مع الارتفاع المتوقع في استهلاك مراكز البيانات للكهرباء، إذ تقدر وكالة الطاقة الدولية أن استهلاكها قد يصل إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030 في سيناريوها الأساسي، مع نمو سنوي يقارب 15% خلال الفترة بين 2024 و2030.
لكن البصمة المناخية للذكاء الاصطناعي لا تتوقف عند الكهرباء التي تحتاجها الخوادم لتشغيل النماذج ومعالجة البيانات. فقد يكون تأثير التقنية أكبر بكثير إذا ساهمت قدراتها الحسابية في توسيع إنتاج الوقود الأحفوري على نطاق واسع.
ومن هنا، تتحول القضية من مجرد حساب كمية الكهرباء التي يستهلكها الذكاء الاصطناعي إلى سؤال أكثر تعقيدا: ماذا تفعل هذه التكنولوجيا بالقطاعات التي تستخدمها، وإلى أي اتجاه تدفع الإنتاج والاستهلاك؟
المعركة الحقيقية على اتجاه الذكاء الاصطناعي
لا تبدو المسألة في جوهرها صراعا بين “ذكاء اصطناعي أخضر” وآخر “ملوث”، فالخوارزمية ذاتها يمكن أن تساعد شركة نفط على اكتشاف مكمن جديد، وفي الوقت نفسه تساعد شركة كهرباء على إدارة شبكة أكثر كفاءة، أو تتيح رصد تسرب للميثان، أو تسرّع تطوير تقنيات تخزين الطاقة.
ولهذا، فإن الأثر البيئي النهائي للذكاء الاصطناعي سيتحدد بدرجة كبيرة بالقطاعات التي تتوسع في استخدامه، وبطبيعة القرارات التي تدعمها الخوارزميات، وبالسياسات التي تضع حدودا لهذا الاستخدام.
ومع تسابق شركات الطاقة على توظيف الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستكشاف والإنتاج، يبقى التحدي الأكبر هو منع مكاسب الكفاءة من التحول إلى وسيلة لإطالة الاعتماد على الوقود الأحفوري، وضمان توجيه القدرات المتقدمة للتكنولوجيا نحو أنظمة طاقة أكثر كفاءة وأقل انبعاثا.





